بتأمل دقيق، واستقراء شمولي عميق، يمضي الأستاذ الدكتور محمد مريسي الحارثي في محاولة فهم ظاهرة الحداثة العربية، من خلال البحث في – أو عن - أصولها التي رأى الباحثين غيره قد تجاهلوها، وذلك في كتابه الجديد الصادر هذا العام بحسب العنوان أعلاه، وقد أدرك أن (العرب المعاصرين فتحوا عيونهم على حداثة الغرب في العصر الحديث، وقد شابت عند الغرب، وأنجبت ما بعد الحداثة، وشابت هذه وانتقلت حركتها إلى العولمة، وإلى توقعات ما بعد العولمة، والذي أوهمهم بتأثير الحداثة الغربية في سيرورة الحياة العربية القائمة؛ أن فعل الحداثة المادي ما زال يؤدي دوراً فاعلاً في حياة الغرب وبخاصة في الجانب العلمي التجريبي)، ومن خلال مفارقة التفاوت ومركزيتها بين الحداثتين(الغربية والعربية) في الزمن والطبيعة والفعل، ذهب المؤلف يبحث عن أصول الحداثة العربية في المستويات ذاتها التي شكلت المفارقة والتفاوت، ومن خلال تحرير المفاهيم والمصطلحات التي اختار نقاشها والتأصيل لها. وكان خطه الزمني في الرصد مبتدئاً من انبثاق رسالة الإسلام في مكة المكرمة، ونزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، بوصفه أمراً محدثاً، هدم جاهلية العرب وأعاد بناء حياتهم على أسس وركائز جديدة، بوصف (الذكر المحدث مشروعاً مغيراً لحالات اجتماعية قائمة، لم تكن محل رضا اجتماعي). وفي سياق تتبعه ورصده لمعطيات وتجليات هذا التغير البنيوي في حياة العرب، يركن إلى آيات من القرآن الكريم، ومن عموميات معناها ودلالاتها النصية يتداخل مع لغة الخطاب القرآني، وما يتكامل معها أو يفسرها من الأحاديث النبوية الصحيحة، مؤكداً على أن (المحدث في المنظور الإسلامي تغييري. لا يقبل التغيير، أو الاعتراف في فهمه خارج أصوله التصورية، والقول فيه بالرأي، توجيه قراءته توجيهاً يخرج عن ضوابط المعرفة وقانون الأعدل في اللغة). ومن خلال اعتماده على متداول المصطلحات والأدبيات الشائعة في دراسات الحداثة والبحث في أصولها لدى المفكرين، تناول المؤلف هذه المصطلحات في مجال تفسيري مغاير وسياق معرفي يراه الأجدر والأقرب للصواب، في سياق مطارحة قضية الحداثة؛ كما فعل في تناول وتوظيف مصطلحي: (الثابت والمتغير).
ولأنه يرى أن لغة الخطاب لا ينظر إلى مكوناتها خارج سياقها المعرفي وقانونها قياساً وسماعاً، فهو يجزم بأن (المتغير الإلهي الذي بلغ مرحلة الثبات في صدور المؤمنين، لا يتغير، وهذا هو حجر الزاوية في اختلاف حداثة الذكر المحدث، عن أية حداثة كونية غير دينية سماوية). وهو ينظر إلى القرآن الكريم بوصفه قيمة حداثية إلهية المصدر، اكتسبت فعلي التغيير والثبات. ونالت من سهام الرفض والتجهيل ما نالت، لأنها تمتلك مصدرية سماوية هدمت الوثنية العربية، وتمت بها رسالات السماء إلى الأرض. ومن هذه الركائز في المفاهيم والتصورات التي يطرح الباحث موضوعه عبر سبرها، وتتبع سياقاتها، ينتقل إلى حورات عامة مع أبرز أطروحات المفكرين العرب الذين عرضوا إلى هذه القضية؛ ويختزل رؤاهم في مجموعة منطلقات ومقولات مجملة، ويفصِّل نسبياً في نقاش اثنين منهم، وهما: طه حسين وأودنيس. في فصل سماه: (معرفة الحداثة من التنوير إلى التغيير) عاداً الأول تنويريا، والثاني تغييريا. ويقدم رؤى متعددة لاختلافه مع أطروحات طه حسين، التي حفلت بها بعض كتبه، مثل: (مستقبل الثقافة في مصر، وحديث الأربعاء). بينما ركز في حواره مع أطروحات أدونيس وفرزه لها، على ما طرحه في بعض كتبه، مثل: (الثابت والمتحول، وزمن الشعر، والنص القرآني وآفاق الكتابة).
وإجمالاً.. فإن هذا الكتاب القيم، قد اختلف في بناء موضوعاته الرئيسة وأطروحاته العميقة، إلى حوار علمي هادئ ومتزن، وأدوات منهجية واعية، ولم يخض في التفصيلات الاصطلاحية والبنى المفاهيمية، إلا بالقدر المحقق لرؤية المؤلف، والمحدد لها والمعبِّر عنها.
في أصول الحداثة العربية
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
