حسب دراسة أعدتها (شركة فيزا الائتمانية)، تصدر السعوديون قائمة السيّاح الأكثر إنفاقاً في العالم، بنحو ثلاثة أضعاف المعدل العالمي لإنفاق الفرد في السياحة.
الدراسة ذكرت أن السائح السعودي ينفق بمعدل 6414 دولاراً «24 ألف ريال سعودي» في الرحلة الواحدة، بينما المعدل العالمي لإنفاق الفرد في السياحة الخارجية هو2300 دولار (8.6 آلاف ريال).
أنا لا أُشكك بهذه الدراسة، وذلك من باب أن الجهل بالشيء لا يعني عدم صحته، لكن بنفس الوقت لا يمكن أن أعتبر العينة التي شملتها الدراسة تمثل ولو 5% من المجتمع السعودي، لأن الدراسة شملت القادرين على السياحة الخارجية فقط. ولأنني ممن يدعو دائماً للتفاؤل، فقد قمت بإحصائية شملت بعض الزملاء والأصدقاء والمعارف، وحسبت معدل متوسط رواتبهم، وليتني لم أفعل وأحبطهم من حيث لا أشعر، حيث توصلت إلى أنهم بحاجة لرواتب خمسة أشهر في التمام والكمال كي يقوموا برحلة يشعرون معها أنهم ضمن إحصائية السعوديين الأكثر إنفاقاً!
أجزم أن الأثرياء – زادهم الله من فضله – يعتبرون معدل الإنفاق الذي ذكرته الدراسة معقولاً، رغم أنهم يعرفون من موظفيهم الكثير ممن رواتبهم لا تتجاوز الخمسة آلاف شهرياً، لكن الأمر بالنسبة لهم طبيعي، فهؤلاء الموظفون اختاروا أن يبقوا موظفين لدى الغير، ولم يقرروا أن يكونوا أصحاب العمل وليسوا عمالا، نعم هكذا – ببساطة - تتم الحسبة، وإلا فما الذي جعل العامل اللبناني - مثلاً - يكون مدير الموارد البشرية في الشركات العملاقة، فيما الموظف السعودي مجرد موظف بسيط، وقتها سأتدخل للإجابة: لأن الموظف السعودي كسول ويريد عملا مكتبيا مُريحا – على أساس أن الجيش من الجنسيات العربية والآسيوية الذين يعملون بالمناصب الكبرى بالشركات يعملون في مناجم الفحم – وسأحاول قدر الإمكان ألا أتذكر الشكوى من ارتفاع المواد الغذائية غير المُبرر، وتجاوزي للتذمر ليس بغرض عدم تعكير سعادته، وإنما تعمدت ذلك – بخبث - كي لا يتذكر أن ابنته طلبت منه أن يرسل الطائرة الخاصة لتحضر لها حلويات عيد ميلادها من سويسرا، ويدخل الثري في إحصائية معدل الإنفاق العالمي (غير المهمة)، الأهم بالنسبة له هي الإحصائية التي تقول وزارة الاقتصاد والتخطيط إنه وحسب المعايير الدولية فإن إنتاجية الموظف الحكومي السعودي لا تتعدى ساعة واحدة. فهذه الإحصائية حق لكل مسؤول أن يعلّقها في مكتبه كي يقول «هذا ما تقوله الأرقام أيها السعودي الكسول»، ولم أشأ أن أُكدر عليه نشوته وأخبره أن هذا المعدل مرتفع وبفارق كبير عند مقارنته بالإحصائيات التي أصدرتها دول عربية. وبمناسبة الحديث عن وزارة الاقتصاد والتخطيط سألت بتويتر عمّن يعرف شيئاً عن هذه الوزارة، فأتت أغلب الإجابات مفاجئة وطريفة، وحيث إنني كنت متوقعاً أن هنالك بالفعل من لا يعرفها، لكن المفاجأة كانت مُحبطة لتفاؤلي، حيث إن أغلب المتداخلين تمنّوا بالفعل أن توجد لدينا وزارة للاقتصاد والتخطيط!
في المجمل، المُخيف في الأمر هذه الهوّة بين من ينفق برحلة سياحية واحدة ما يعادل 24 ألف ريال سعودي، وبين من يكدح نصف عام كي يحقق هذا المبلغ كقوت له ولأبنائه، هذه الهوّة التي تزداد مخيفة جداً، فالطبقة الوسطى التي تتلاشى بسرعة هي صمام المجتمعات، فمن يردم هذه الهوّة؟!