أحد أصدقائي الذين خدمت معهم في قوات التحالف في العراق أرسل لي مقطع فيديو من يوتيوب لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذين يصولون ويجولون في أنحاء كثيرة من العراق. ترددت كثيرا في مشاهدة الفيديو، لأنني كنت مكتئبا بسبب الفوضى التي يمر بها العراق، بعد كل الجهود التي بذلتها مع زملائي مع العراقيين بعد 2003 في محاولة لإنجاح التجربة الديمقراطية العظيمة في الشرق الأوسط.
ومع مرور مشاهد عناصر داعش المبتهجين بنجاح حملتهم الدموية، بدأت بتقديم الفيديو بسرعة حتى لا أرى مشاهد الجنون، لكنني توقفت عندما شاهدت قطاع الطرق من داعش يهاجمون عراقيين أسرى. كثير من الأشخاص الذين كانوا يتعرضون للتعذيب هم قادة «الصحوة»، وهي الحركة السنية التي قاتل مسلحوها في يوم من الأيام الجيش الأمريكي والحكومة العراقية قبل أن يلاحظوا أن عدوهم الأكبر هو تنظيم القاعدة فانضموا إلى قوات التحالف لقتال القاعدة. القوات الأمريكية أطلقت عليهم لقب «أبناء العراق».
قرار قيادة «الصحوة» بالقتال إلى جانب القوات الأمريكية كان من أهم العوامل التي ساعدت على تهدئة وسط العراق بين 2007-2009. أعداد العراقيين في حركة «الصحوة» تزايدت لتصل إلى عشرات الآلاف. أصبح العمل مع «الصحوة» برنامجا ذا اتجاهين. التحالف كان يدفع مبالغ شهرية صغيرة مقابل سلامة الجنود الأمريكيين والمدنيين العراقيين.
لكن مستقبل حركة «الصحوة» لم يكن معروفا. في 2007-2008، كنت جزءا من مكتب صغير في بغداد مكلف بالعمل مع ممثلين عن رئيس الوزراء نوري المالكي حول كيفية دمج عناصر «الصحوة» ضمن البيئة العراقية الأوسع. كنا نعرف أنه دون دمج «الصحوة» وقاعدة الدعم السنية العريضة في التيار العراقي العام فإن انتصاراتنا في المعارك سيكون عمرها قصيرا.
المشاكل كانت كثيرة. أولا، كانت حركة «الصحوة» تضم السنة حصرا، بينما كانت الحكومة في بغداد وآليات دعمها السياسية من الشيعة إلى حد كبير. ثانيا، مع أن «الصحوة» تحالفت مع القوات الأمريكية في محاربة القاعدة، إلا أنها لم تلتزم بتحالف مع الحكومة العراقية التي كان كثيرون من قيادات «الصحوة» يعتبرونها عميلة لإيران. من جانبها، كانت الحكومة العراقية تعتبر آلاف المسلحين السنة خطرا استراتيجيا. معظم القيادات الأمنية العراقية لم يكونوا يريدون مشاركة أي ميليشيا، سواء من «الصحوة» أو أي ميليشيا أخرى.
ومع ذلك كان هدف مكتبنا إيجاد طرق لتحسين الحياة بعد دمج الصحوة تماما في العراق، بما في ذلك الخدمات الأمنية، لذلك صُعقت وأنا أشاهد جنون داعش على يوتيوب. الولايات المتحدة وعدت «الصحوة» وقاعدتها السنية في 2007 بأنها ستدرس الآليات العملياتية مع الحكومة العراقية لدمجهم في العملية السياسية وعدم تركهم في مهب الريح.
برنامج الدفع لحركة «الصحوة» كان يتطلب جمع بيانات شخصية عن كل عضو فيها، وكانت تضم حوالي مئة ألف شخص؛ واستمرار الدفع كان سيتم من واجبات الحكومة العراقية بعد نقل سلطات الحكم للحكومة العراقية. أذكر أننا سلمنا قاعدة البيانات لمكتب رئيس الوزراء نوري المالكي، لكنه لم ينفذ التزاماته في هذا الخصوص. عوضا عن ذلك، تم تقليص أعداد «الصحوة» تدريجيا، أحيانا عن طريق الاغتيالات أو الاعتقالات أو النفي خارج العراق. بعد انسحاب القوات الأمريكية في 2011، جلس الدبلوماسيون الأمريكيون بكسل خلف الجدران الاسمنتية.
منذ عامين كنت في العاصمة الأردنية عمان ودُعيتُ لمقابلة أحد قادة «الصحوة» الذين عملنا معهم عن قرب في بغداد. عندما دخلت المنزل المعد للقائنا، كانت يداه في جيوبه ولم تكن ملامحه لشخص يرى صديقا لم يره منذ زمن. سحب يديه من جيوبه وهو يحدق بي وألقى ما بهما من قطع معدنية عسكرية مزينة بشعارات وحدات مختلفة من الجيش الأمريكي على الطاولة. تلك القطع المعدنية كانت رموزا لتقدير عدد من القادة الأمريكيين الذين عمل معهم هذا الرجل من قادة «الصحوة». بعد أن رماها على الطاولة، قال لي «ما فائدة هذه الآن؟» لم يكن لدي أي جواب وما زلت لا أعرف الجواب. عندما أتذكر حمقى داعش في الفيديو وهم يتهمون عناصر «الصحوة» بالتعامل مع حكومة بغداد «المرتدة» لا أدري أأضحك أم أبكي، لكن الولايات المتحدة يجب ألا تنسى وعودها لحركة «الصحوة». إذا لم نفعل ذلك فإننا سندفع ثمنا أكبر مع تتابع الأحداث. لا أحد سيصدق أي شيء نقوله أو أي وعد نقدمه في المستقبل، وسيتصرف الجميع وفقا لمصالحهم فقط دون أي تقدير للمصالح الأمريكية.
الأمريكيون يتخلون عن حلفائهم من "أبناء العراق"
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
