الضجة المفتعلة من قبل وكالة المخابرات الأمريكية، حول إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ISIS، الخلافة الإسلامية واختيار أبي بكر البغدادي أميرا للمؤمنين، وأنها لا تهدد فقط خصومها في العراق (حكومة نوري المالكي الشيعية) بل جميع المسلمين السنة والعرب فضلا عن الدول الخليجية في الإمارات وقطر والكويت والسعودية، هي اعتراف ضمني وصريح في آن واحد بانهيار -وليس فشل- الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
ويؤكد جلين فورد في مقاله المنشور على موقع Information Clearing House أن اللعبة التي حيكت منذ 2011 في ليبيا وسوريا والعراق، أثبتت إفلاسها وظهرت تداعياتها المأساوية على المنطقة بأسرها تباعا.
ويقول: إن إعلان الخلافة الإسلامية يعني أن العالم وليس الشرق الأوسط فقط، لن يكون هو نفسه مرة أخرى.

نهاية الاستعمار الجديد

وعلى الرغم من أن النطاق الإقليمي للكيان السياسي المزعوم للدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، رافض له بشدة وربما ستختفي “داعش” من الوجود، فإن ظهور “الدولة الإسلامية” يشير إلى انهيار نهائي للاستراتيجية الاستعمارية الأمريكية للعالم الإسلامي ناهيك بالمناطق العربية - بالتأكيد التي تدين بالإسلام.
“إن شرعية جميع الإمارات والجماعات والدول والمؤسسات والمنظمات تصبح لاغية مع توسيع سلطة الخليفة ووصول قوات “داعش” إلى مناطقها” هذا ما صرح به في وقت سابق المتحدث الرسمي باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” “أبو محمد العدناني”، كما أن طاعة الخليفة تصبح واجبة مع تقديم الدعم الكامل للدولة الإسلامية التي تنمو يوما بعد يوم.
اللافت للنظر أن “داعش” أعلنت بالفعل استقلالها عن الجماعات السلفية الجهادية وليس فقط “تنظيم القاعدة” الذي يتم تهميشه الآن في المنطقة لا سيما بعدما أعلنت “جبهة النصرة” في سوريا مبايعتها لدولة الخلافة والخليفة أبي بكر البغدادي، ناهيك بانقلاب “داعش” على معظم الدول العربية ووكالات الاستخبارات الغربية التي كانت تدعم الجماعات الجهادية المسلحة فيما يعرف بـ”الشبكة الجهادية الدولية” على مدى جيلين تقريبا منذ السبعينات وحتى ظهور “داعش”، مما يعني أن “داعش” أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا وليس مجازيا لكل الدول العربية والإسلامية التي لا تعترف بها باعتبارها: التجسيد الجديد للإسلام في حالة الحرب.

الجهاد المقدس

الجهاد المقدس عند “داعش” والموت في سبيل الله، يمثل نقطة اللاعودة لاستراتيجية الولايات المتحدة التي قامت على إسقاط الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وإحلال مكانها بدائل الأصولية الإسلامية.
فقد أنشأت وكالة الاستخبارات الأمريكية بالتعاون مع بعض دول المنطقة الشبكة الجهادية الدولية لتقويض الأنظمة العلمانية واليسارية الاستبدادية في أفغانستان منذ منتصف 1979، وقد تنامت هذه الشبكة بسرعة بحيث لم يعد من الممكن السيطرة عليها اليوم.
المقومات المادية للخلافة عند “داعش” ودينامية النقطة المحورية الجديدة التي تنطلق منها والمحركة لها في ذهنية العالم الإسلامي، تجعل فكرة الهجوم العسكري الشامل من قبل أمريكا -إذا ما قرر الأمريكان بالفعل ذلك- صعبة جدا جدا! ..ومهما كانت النتائج المترتبة على هذا الهجوم فإن الخطة التي رسمتها الولايات المتحدة للمنطقة منذ 2011 أثبتت إفلاسها وأدت إلى إضرار يصعب علاجها، وتتمثل في نشر الجماعات الجهادية كبديل لحف شمال الأطلنطي “الناتو” والأنظمة العربية لا سيما الملكية.

دغدغة المشاعر

الأسوأ من ذلك هو أن الدول الخليجية تدرك تمام الإدراك أن بلدانها في خطر شديد من أطماع وتوجهات هؤلاء الجهاديين الذين أسهمت بعض دول المنطقة في ظهورهم ودعمهم، حيث يتم اللعب في مقبل الأيام على وتر ثروات دول الخليج بأنها حق لكل المسلمين وليست مكافأة لحماة الأماكن الإسلامية المقدسة، فالمخطط لن يتوقف عن التوسع السريع لـ”داعش” في معظم دول المنطقة وإنما دغدغة المشاعر الإسلامية بفكرة حاضرة دوما وهي تحالف الأنظمة العربية مع الغرب الكافر ضد المسلمين -وبالتالي - إسرائيل!المشكلة الأكبر أن صناع القرار في الولايات المتحدة ليست لديهم أية فكرة عن كيفية تغيير استراتيجيتهم في المنطقة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحتفظ بالقدرة والسلطة التي لا حدود لها لخلق حالة من الفوضى في المنطقة، الفوضى مفيدة في منع الحكومات التقليدية والمجتمعات المدنية من تحقيق أهدافها الوطنية التي تتعارض مع مصالح أمريكا الاستعمارية، ولكن الفوضى في النهاية لا تتم في فراغ وإنما هي أشبه بالمرجل الذي يلعب على التناقضات الحادة ويتلاعب بها والتي يمكن أن تنفجر في أية لحظة!

شكرا أمريكا

الجهاد في حقيقته -وعمقه- هو ضد الاستعمار وسيطرة الصليبيين والصهاينة، فالجهاد الأصولي -بمعنى ما من المعاني- هو مثل “القومية” يناضل ضد الإمبريالية والاستعمار الأجنبي، أي أنه سيسعى ليملأ الفراغ السياسي على أنقاض العلمانية القومية العربية التي كانت بالأمس القريب هي “اليسار”، بل قادة “داعش” يؤكدون أن “القومية” كانت تعبيرا مبهما وتوقا واستباقا “للدولة الإسلامية”!إذا اعتقدت أن كل هذا الذي حدث في الشرق الأوسط هو من عمل وكالة الاستخبارات الأمريكية، فشكرا لها شكرا جزيلا على تسريع انهيار ملحمة استراتيجية الاستعمار الأمريكي للمنطقة والعالم الإسلامي، صناع السياسة الأمريكية لا يعرفون حقيقة ماذا يفعلون؟ ..وهي فترة يختمر فيها القرار الصعب: الجنود الأمريكيون بعد الانسحاب من العراق وأفغانستان لا يمكن أن يحلوا من جديد مكان قوات داعش في المنطقة، لكن في الوقت نفسه على الأمريكيين أن يثبتوا أمام أنفسهم والعالم قدراتهم العسكرية المتقدمة وأنهم “قوة عظمى تفوق قوات دولة الخلافة”!


عصر المظالم

عودة الإرهابيين في الشرق الأوسط مع خروج القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان واستمرار غياب واشنطن في سوريا، دفع الزخم والتأييد الشعبي كله لصالح هؤلاء الإرهابيين.
وحديثا كشف أهم تقرير صادر عن مؤسسة راند “ - ونشرته صحيفة مكة في حينه - أنه منذ عام 2010 وحتى كتابة هذه السطور، زاد عدد الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 58% وزاد عدد الجهاديين والمقاتلين المتطرفين إلى الضعف، فضلا عن تضاعف عدد الهجمات الإرهابية ثلاث مرات من قبل تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له.
قبل أيام نشر مجلس العلاقات الأمريكية الخارجية على موقع “ شؤون خارجية “ تقريرا مهما لأستاذ العلوم الاستراتيجية في كلية الحرب الوطنية مايكل مازار بعنوان “عصر المظالم ..كيف يوظف الاستياء السياسي؟”، أكد فيه أن الأحداث الأخيرة في العراق والتي قادتها “داعش” - ISIS (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وهي أبرز فروع تنظيم القاعدة، تشير إلى أن “داعش” شقت طريقها إلى بغداد وسط حالة عامة من التفاؤل والترحيب الشعبي وليس العكس كما صورته وسائل الإعلام العالمية!

مبدأ واحد

ويقول مازار: لم يكن نمو هذه الجماعات المتشددة وتكاثرها في المنطقة، نتيجة لخشيتها أو الخوف من بطشها أو حتى بأسها في ميادين القتال، وإنما العكس من ذلك ..فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على امتداد العقد الماضي أن هذه الجماعات لعبت بمهارة وبشكل مكثف على مشاعر الغضب والإحباط الشعبي العارم لا سيما من الأنظمة الاستبدادية المختلفة في المنطقة والمرتبطة بالغرب.
وحدد زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن - منذ البداية - السبب الرئيس لظهور التنظيم واستخدامه للجهاد والعنف وهو: إذلال المسلمين على أيدي القوى الغربية الظالمة والنظم العربية والإسلامية التابعة لها، ودعا أتباعه في كل مكان إلى استعادة كرامة الشعوب الإسلامية باعتبارهم خير أمة وشعب الله المختار.
المبدأ نفسه استندت إليه “داعش” - ISIS واختارت نفس التيمة تقريبا وهي “الظلم” بمعناه الواسع، واستطاعت توظيف الغضب السني من حكومة نوري المالكي الشيعية المتطرفة في بغداد، ومن هنا يتضح أن التطرف الإسلامي في كثير من الأحيان “ظاهرة وجودية” تجتذب الناس التي تبحث عن تأكيد هويتها الضائعة والتي تشعر بالحاجة إلى “تقدير الذات”.
“داعش” - من وجهة نظر مازار- تمثل أحدث موجات الإرهاب في العالم، وهي ليست ظاهرة معزولة عن سياق تاريخي ممتد، الأهم من ذلك أن “ ظاهرة داعش” تنذر بعصر جديد “للأمن الدولي” يمكن أن نسميه : “عصر المظالم”، وهو ما سيتطلب تعاونا وثيقا وحديثا لمختلف الأطراف الدولية والإقليمية، ذلك أن القوى المحركة للسياسة العالمية اليوم ليست العوامل “الجيو- سياسية” فقط وإنما الدوافع النفسية أيضا!