قبل 47 عاما خرجت صحيفة “المساء” المصرية المملوكة للدولة في شهر يونيو 1967 بعنوان رئيس قالت فيه “القتال مستمر”، وخرجت أمس الأول أكثر من صحيفة مملوكة للدولة بمانشت “نحن في حالة حرب”.
رغم تشابه المانشت في الحالتين إلا أن سياقهما مختلف، ففي الحالة الأولى كانت مصر في حرب مع إسرائيل، أما في الحالة الثانية فكانت رفع أسعار المحروقات وما لحق به من ارتفاع في أسعار سلع أخرى.
هذه المفارقة التي تبدو ملفتة ومثيرة للاهتمام تجد تفسيرا في علم الدلالة، الذي تقول إحدى أهم قواعده إن “المعنى يلازم الكلمات والعبارات والجمل”، وبالتالي فإن استحضار كلمة “الحرب”، بما يعنيه ذلك من إجراءات استثنائية وتقشفية، هو مبرر قوي لرفع أسعار الوقود.
وخلال لقائه برؤساء تحرير الصحف القومية والحزبية والخاصة الأحد الماضي حرص الرئيس عبدالفتاح السيسي على استحضار هذا الربط وهو يستعرض لهم أسباب قرار رفع أسعار الوقود، وجاءت التغطية الإعلامية للقاء على صفحات الصحف في اليوم التالي متجاوبة مع هذا الربط.
فخرجت صحيفة الأهرام بعنوان رئيس “مصر في حالة حرب..ولا بد أن تنتصر”، واختارت كل الصحف المملوكة للدولة وأغلب الصحف الخاصة نفس العنوان.
ولأن لأي حرب طرفين، حرص السيسي على استحضار الطرف الذي يوصف دائما من جانب الحكومة بأنه “لا يريد استقرار هذا البلد”، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، للربط بينها وبين أي احتمالات لردود فعل غاضبة على قرار ارتفاع الأسعار.
وقال مخاطبا رؤساء التحرير “نحن في حالة حرب حقيقية، ومصر تتحرك نحو الأمان، ولا بد من اتخاذ إجراءات صعبة، وعندما نلجأ لاتخاذ إجراءات للإصلاح الاقتصادي، فمن الطبيعي أن يحاول الخصم والفصيل المتآمر إفشال هذه الإجراءات وتلك الإصلاحات”.
وتحدث بمزيد من التفصيل عن هذا الخصم مضيفا “لدينا فصيل لا يعرف ربنا مستعد يدمر البلد، هذا الفصيل يعيش وسطنا، وموجود في مؤسسات الكهرباء والبترول وبقية مؤسسات الدولة، ونحن تحركنا للإصلاح واتخاذ القرارات والإجراءات الصعبة وهذا التيار يحاول إفشالها”.
وتابع “المطلوب أن نستدعي حالة التحدي التي تواجهنا ونرفع مستوى الوعي بهذا التحدي”.
وأضاف السيسي أن “الإخوان يعملون منذ عشرات السنين، وظلوا يستغلون القوة الناعمة لمدة ثلاثين سنة ولهم أذرع في أماكن كثيرة، بل وداخل مؤسسات أمنية غربية، ولكن الدولة المصرية لن تهزم أمام تنظيم الإخوان، ويمكن أن يتم ذلك فقط إذا كانت الدولة مفككة”.
وربط الرئيس الإجراءات التي اتُّخذت بالوضع العام في المنطقة، لا سيما في مناطق الصراع، واستحضر خصما آخر خارجيا بخلاف “الإخوان” داخليا، وهو تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق والمعروف بـ “داعش”.
وقال “هناك أطراف لا تريد النجاح لمصر ولا استقرارا ماليا وتحاول بشتى الطرق تعجيزها”.
وأوضح أن “ما يفعله تنظيم الدولة الإسلامية في العراق كان من الممكن أن يحدث في مصر لو أن ثورة 30 يونيو 2013 تأخرت شهرين أو ثلاثة.
علينا أن نعرف أن هناك دولا هُدمت باسم الدين مثل أفغانستان والصومال وغيرهما”.
هذا الربط بين القرارات الأخيرة وحالة الحرب كان حاضرا أيضا في تجاوب الصحف مع تصريح لرئيس الوزراء إبراهيم محلب، قال فيه إن حكومته هي “حكومة حرب”.
و”حكومة الحرب” كما عرفها وحيد عبدالمجيد، رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في تصريحات صحفية يوم 23 ديسمبر الماضي، هي مصطلح إسرائيلي بدأ استخدامه في حرب 67 (بين مصر وإسرائيل) حيث كان هناك صراع داخلي بين الأحزاب في إسرائيل، وبالتالي تم الاتفاق على حكومة تجمع هذه الأحزاب وسماها البعض حكومة “ائتلاف” في حين أطلق عليها البعض اسم “حكومة حرب”.
وفي أول تعقيب لرئيس الوزراء على قرارات رفع أسعار الوقود الأخيرة استخدم نفس المصطلح، وقال في مؤتمر صحفي عقده السبت الماضي “الرئيس اتفق مع الشعب على مواجهة الأزمات، وفتح كل الملفات، والبدء بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وسنظل حكومة حرب وسنخوض حربنا ولكن بتعاون الشعب المصري معنا”.
وركزت الصحف في تغطيتها الإعلامية على هذا المصطلح وخرجت بمانشتات مثل (محلب: “نحن حكومة حرب “، ومحلب “أقود حكومة حرب”).