وصل الأمر بحال الأمّة العربية إلى أن تعد المواجهات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين أخباراً عادية، بل أصبحت روتيناً يومياً يتناوله شريط الأخبار أسفل الشاشة بعدم اكتراث واضح. وحتى ببلوغ قسوتها لم ترتفع أخبار القتل والتنكيل والأسر إلى حكم الكوارث بل ظلت في خانتها دون أن تهتز شاشاتنا أو يرمش لمشاهديها جفن. وكلما تزداد المواجهات تجترّ معها أرتالاً من أدب المقاومة وقصصها التي تترك في الحلق غصة، أما المواجهات الأخيرة التي جرت في أول جمعة من رمضان الحالي في مدينة رام الله بالضفة الغربية فعَبرتها أكبر. فقد جاءت هذه الأحداث نتيجة لرفض جيش الاحتلال الإسرائيلي السماح للمواطنين الفلسطينيين الذين تقلّ أعمارهم عن الخمسين عاماً بالتوجه إلى المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة.
استدعت هذه الأحداث إلى خاطري، الرواية الواقعية للروائي والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي التي صدرت عام 1997م وتحمل ذات اسم المدينة التي وقعت بها المواجهات «رأيت رام الله». وبالرغم من أنّ عنوان الرواية حمل اسم «رام الله» المكان ذي البعد المادي إلا أنّ الكاتب لم يقف أمام المسلمات وإنّما جاءت كتابته لسرديته الذاتية دون الالتزام بجغرافيا المكان ودون التضليل بالعودة.
والحكاية عن الزمان، هي وعي بالحياة وبالأحلام والقضايا الخاصة والعامة وهموم النفي والمنفيين. ذهب مريد البرغوثي لأكثر من ذلك بأن بدّل نسيج المكان بحقبه الزمنية خلال ثلاثين عاماً انقضت، وتغلغل عميقاً في هذا النسيج لا ليصوغ قدَراً جديداً بل ليرى برؤية إنسانية مجروحة غربةً وألماً ما سُطّر من أقدار تجلّت في أسلوب كتابة هي آيات من جمال المعنى واللغة، وحملت حسه المرهف، وعاطفته المتزنة التي تحاول قدر الإمكان عدم النزوع إلى الرومانسية والعيش في الأحلام والتمنيات مما أفاض بواقعية الرواية نسيجاً واعياً بلا زوائد أو ضفاف وشعوراً إنسانياً لا يحتاج إلى محسنات.
يتجاوب زمن بطل الرواية مع أزمان هؤلاء الممنوعين من الصلاة بالأقصى، فيتحرّك المدار المفتوح على أمكنة متعددة مع زمن خارجي قلق، يعاني التحول بين «الغربات»: «الغربة لا تكون واحدة، إنها دائماً غربات. غربات تجتمع على صاحبها وتغلق عليه الدائرة، يركض والدائرة تطوقه. عند الوقوع فيها يغترب المرء في أماكنه وعن أماكنه، أقصد في الوقت نفسه». وذلك على نحو يغدو معه الزمنان زمناً واحداً يناوشه فيه الحرمان واستحضار المنفى بينما هو يعايش لحظات العودة.
ومن هذا المنظور، كأن «مريداً» أراد نوعاً من المجاز الموسّع أو تصويراً رمزياً لزمن خاص، تفاصيله ناجمة عن الأوضاع المعيشية العامة للحياة الحقيقية للفلسطينيين، المؤطرة لدرجة الاعتياد في أُطر تصاريح الإقامة والعبور وتجديدها والرحيل عند العجز عن التجديد. وحدث مثله لمريد البرغوثي، فبعد حرمانه من العودة إلى مسقط رأسه «رام الله» وهو لا يزال طالباً في جامعة القاهرة، بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967م واحتلال إسرائيل للضفة الغربية صار الرحيل الدائم هو سمة حياته: فمن رام الله الى عمّان إلى الكويت إلى القاهرة ثم رُحّل منها إلى بيروت، ثم عاد إلى القاهرة مرة أخرى، ومكث فيها حتى زيارة السادات إلى إسرائيل، ثم رُحّل ثانية إلى بيروت فبغداد ثم بودابست ودام ذلك 17 عاماً أقام خلالها في بيروت وبودابست فإلى عمان ثانية ثم إلى القاهرة.
الزمن كشخصية رئيسية في حياة الفلسطينيين حررها «مريد» من سببية التسلسل الحدثي حيث بدأت قصته كما قصة هؤلاء العابرين لتأدية الصلاة، بالعودة عبر الجسر ولكن بداياتها الحقيقية ومتونها جاءت في فصول أخرى موزعة بانسيابية فرضها تسلسل الذكريات ومناسباتها في المجال الحيوي للزمن والذي يمثّل البعد النفسي وتباين العواطف المختلفة. ساعده في ذلك افتقاده للإحساس بوجود الحواجز والحدود الفاصلة بين مختلف أبعاد الزمن. وكما حررها من هيمنة البعد المادي ممثلاً في المكان فقد حررها أيضاً من مثول شخصيته الكامنة في هؤلاء المصلّين وحنينهم إلى تأدية صلواتهم بالمسجد الأقصى.
الصلاة في الأقصى بشروط الاحتلال
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
