في عالمنا الإسلامي دائماً ما تتم الإشادة بالتجربتين التركية والماليزية اللتين يشار إليهما بأنهما أفضل التجارب التطويرية في الدول الإسلامية، ولا أحد ينكر أن التجربتين ناجحتان، ولكن النجاح ليس جديداً على المسلمين، فقد نجحت الدول الإسلامية نجاحاً باهراً عبر التاريخ، وتمكن حكامها عبر العصور المختلفة من إرساء أنظمة قادرة ومتمكنة من إحداث تطور وتنمية وحضارة نابعة من بيئتنا وديننا وقيمنا وعاداتنا، امتدت وتوسعت عبر النفوذ الإسلامي الذي لامس المحيط الأطلسي غرباً، وجزر إندونيسيا شرقاً.
ومعظمنا بات يؤمن أن لا نهضة أو حضارة من غير التمسك بتعاليم الدين الإسلامي الصحيحة والمتسامحة مع الذات ومع الآخر، كما أن دور المسلم لا يقتصر على العبادة فقط من حيث الصلاة والزكاة والصوم والحج، بل لا بد أن يكون للمواطن المسلم دور في النهضة التي يشهدها العالم الآن في جميع مجالات الحياة، سواء كانت علمية أو اقتصادية أو تنموية أو اجتماعية أو رياضية، خاصة بعد ما وصلت أحوال المسلمين إلى ما هي عليه الآن من ترد لا يقبله غيور على وطنه ودينه، وبات لزاماً على الشباب العربي والمسلم الإقبال على العمل والمشاركة في مشروعات تنهض بالبلاد العربية والإسلامية نحو التقدم والازدهار. ولكن تبقى حاجتنا لـ»قدوة» حضارية يهتدي بها الجميع في طريق بناء «التنمية».
والذي يبحث بشكل مكثف في سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد أنجح الحكام المسلمين عبر التاريخ، سيجد أن «التجربة العُمرية» ثرية بكل مقومات الحضارة الإنسانية، والتسامح الإنساني، والبناء والتشييد وصناعة النظام وإرساء معالم النهضة البشرية وإعمار الأرض. ومنذ البدء أدرك عمر رضي الله عنه أن هدف إدارة الدولة هو إسعاد الإنسان عبر النهضة والحضارة في هذه الدولة، فلا تقوم دولة ناجحة على مواطن «تعيس» أبدا، وكان تحقيق الرضا للمواطن المسلم هو هدف قيادة عمر بن الخطاب للدولة الإسلامية، لذلك بدأ إدارته لشؤون الدولة الإسلامية بالاقتصاد عبر الاهتمام بالأرض الزراعية في «بطحاء» المدينة وزراعتها وحصدها، وكان هدفة الأول تخليص الناس من الفقر وزيادة دخلهم وبالتالي تحسين معيشتهم وإسعادهم. وقد أدرك أن الإنسان السعيد قادر على العطاء والبناء في دولته، وفي أول خطبة منذ توليه الحكم أكد أن الإسلام يحافظ على قيم «العدل» و»الحق» و»هيبة القانون» وسيادته، ووعد ألا يأخذ من أموال المسلمين شيئاً، ولا يصرف تلك الأموال إلا فيما يحسن حياة المواطنين، ووعد أن يعمل على زيادة دخل المسلمين وحمايتهم، كما أكد عمر على قيمة «العمل» أولا، وقال إن من ليس له حرفة ليس له مكان في الدولة مشيراً إلى أن كلمة «العمل» ذكرت 300 مرة في القرآن مما يدل على أهمية العمل عند الله سبحانه وتعالى، وهو بذلك كان يحارب «البطالة» التي يعاني منها شباب الدول الإسلامية اليوم.
وقد قام عمر في بداية عهده بإقراض الرجال والنساء للقيام بمشاريع صغيرة، وقد أقرض الكثير من راغبي العمل مبلغ أربعة آلاف درهم لإنشاء أعمال تجارية خاصة، وهدف بذلك إلى تحريك المشروعات والأعمال التجارية وزيادة دخل أفراد المجتمع. وهي خدمة للناس تهدف إلى تحسين حياتهم وإسعادهم وهي أول خطوة لبناء حضارة حقيقية، والحضارة لا تتم وتنشأ إلا عبر البشر. والخليفة عمر كان أول من فكر في مشروع «الوقف الإسلامي»، فمن كانت لديه أرض تبقى له ولكن مع إعطاء بعض المحصول لأعمال خيرية وبدأ بأرضه التي أوقف ريعها لعلاج الفقراء. وبدأت الأموال «الوقفية» تتزايد وتم صرفها في التعليم والتدريب الحرفي والمهني وتجهيز جيوش الجهاد والدفاع. وبدأ بإنشاء أول وزارة للأوقاف. وسن قانون (إن من أحيا أرضاً فهي له) ولكن وفق شرط إما استخدام الأرض واستغلال الأرض خلال عامين وإلا إعادة الأرض للمسلمين. وقام بتنمية الثروة الحيوانية وحرص على جمع الزكاة من الأغنياء والميسورين وصرفها للفقراء. وبدأت في عهده فكرة السجلات الخاصة بالممتلكات والمواليد والزيجات والعقود والإحصاء وكان أول من أنشأ «بيت مال» المسلمين. وتم في عهده وضع معايير دقيقة لتوزيع الموارد والأموال والثروات على المسلمين. وكان دائماً يردد على مسامع مستشاريه ووزرائه مقولة: (أوجدوا للناس عملاً حتى لا تسرق). ما أحوج البلاد الإسلامية اليوم لـ»التجربة العُمرية».
نحو حضارة "إسلامية"
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
