يجفف عرقه، ينظر حوله للأبواب والنوافذ بريبة، يتمنى لو أنه في كابوس، يغلق عينيه، ثم يفتحهما مرتعشاً، يفرك أصابعه، يمسح وجهه بكفيه، فلعل أمنيته قد تحققت بزوال الكابوس؛ يمتص شفتيه مؤمناً بالواقع، ويقاوم دمعة زادت من غصته، ويهمس للضابط: بنتي هربت!.
الأهل والمجتمع قساة، كلهم سيطبطبون على كتفه، ويهدئونه ويحتضنونه، ويَدَّعُون أن الأمر هين، ثم يحوقلون، ويهزون رؤوسهم، وينظرون لأعين بعضهم، والكلمات تكاد أن تتصبب من زوايا أفواههم.
هروب البنات أصبح قضية ملموسة، قد تصل للظاهرة، والأمر ينذر بأنها في سبيلها للتفاقم!.
وأسباب حدوث ذلك كثيرة:
1. ضعف علاقة الأم بابنتها، وجفاف الحب والحنان بينهما، ونقص التفاهم والتشارك، وحصول الإرشاد بطريقة قمعية.
2. معاملة الأنثى بنقص في حقوقها وشخصيتها وعواطفها بين أسرتها، وسيطرة الذكور على المشهد العام في البيت.
3. تطرف أو نقص في دين الفتاة، أو من يتولى تربيتها.
4. الكبت والعزلة والتقتير عليها.
5. تعرضها للعنف الأسري اللفظي أو الجسدي، أو التعدي الجنسي.
6. التفكك الأسري، بوجود خلافات دائمة، أو حالات طلاق، أو هجر.
7. وجود حالات عضل أو تزويج بالإجبار ممن لا يتناسب مع الفتاة عمرياً، أو عقلياً، أو نفسياً.
8. تفشي نوعية الحياة الالكترونية بين أفراد الأسرة، وتباعدهم الروحي والجسدي، مما يزين للفتاة التواصل مع أغراب قد يعوضونها ما تفتقده في منزلها، وقد يقودونها للرذيلة.
9. تهميش دور الفتاة في المنزل، وعدم مشاركتها بالقرارات المصيرية، وإشعارها بأنها مجرد ضيفة تنتظر الزوج.
10. قربها من أصحاب السوء.
11. غياب المثل الأعلى في حياتها.
12. إغداق مادي، ودلال زائد للفتاة قد يصيبها بالملل، والتفكير في مزيد من المتعة والانفلات.
ولسنا هنا في حاجة للوعظ والكلام المكرر المزبرق، ولكنا نتمنى أن يعي كل فرد من الأسرة دوره الهام في حصول الهروب، وأن يحاول جهده منعه. فبعد وقوع الهروب تنقلب الأمور سريعاً، وتكتشف الفتاة الواقع المر، وكمية السوء والتضحيات، والمشاكل التي أوقعت نفسها فيها بجهالة، وعندها لا يمكن إعادة عقارب الساعة للخلف، وحتى لو تفهمت أسرتها وقبلت بعودتها، فإن الشك يكون قد استوطن بينهم. وربما لا تتقبلها الأسرة، فتضطر للعيش في ملجأ للحماية، لا تلبث أن تعرف فيه، قدر ما فرطت وما فقدت. وكلمتي للأب: أنت راع، فاعمل كل ما في وسعك لتهيئ للبنت بيت عز تعشقه وتضحي من أجله، ولا تخرج منه إلا إلى حياة كريمة تستحقها، وتفخر بها أنت وأسرتك. وللأم أقول: احتويها، وصادقيها وتذكري أن الزمن والظروف تتغير، وكذلك الفكر والمفاهيم. وكلماتي لأفراد الأسرة: تلك جوهرة مكنونة بين أيديكم، فلا تساعدوا على ضياعها وتدنيسها. وللحكومة أقول: طوري تلك الملاجئ الشبيهة بالسجون، وطوري نوعية العاملين بها، وزوديها بالأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين القادرين على معالجة الحالة، والأسرة بأكملها.