ابتداء لا بد أن أشير إلى أننا جميعا نعلم علم اليقين أن (اللقطاء) لا ذنب لهم مطلقا فيما وجدوا أنفسهم فيه، فهم ضحايا غيرهم، ومع أننا نعلم ذلك، فإننا كمجتمع مسلم لا ننظر إليهم على أنهم مثلنا، بل إن الغالبية العظمى منا تنظر لهم بتنقص وربما ازدراء. وما زلت أتذكر أخانا - سمير محمد، وهذا اسم مستعار - مؤلف كتاب (اللقيط) والذي كتب مقالات كثيرة في صحيفة (الشرق) منذ عامين، أتذكر وهو يرفض الكشف عن اسمه الحقيقي، مع أنه حقق نجاحات مبهرة في حياته التعليمية والعملية، حيث يعرف أن معرفة الناس بأنه لقيط ستغير نظرتهم إليه، وهو يعرف ويقول ذلك عن تجربة عاشها شخصيا، ولذلك يكتب ويؤلف باسم مستعار، ليسهم في تنوير المجتمع بمعاناة هذه الفئة مع حياتها المجهولة ومع المجتمع نفسه، وفي ذات الوقت لا يسبب أي ضرر لنفسه.
اليوم سأقدم لكم جانبا من معاناة هؤلاء (اللقطاء) مع أنظمة التوظيف، وذلك عبر رسالة تلقيتها من أحد الرجال الرائعين، حيث تكفل مع زوجته بحضانة طفلة من هذه الفئة، يقول:
«قمت بفضل الله وتوفيقه أنا وزوجتي بحضانة طفلة من ذوي الظروف الخاصة (مجهولة الأبوين)، وذلك منذ 23 سنة، ووفقني الله لتعليمها وتربيتها وتنشئتها التنشئة الإسلامية الصحيحة ولله الحمد حتى حصلت على بكالوريوس تاريخ مع إعداد تربوي بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف الثانية بمعدل 3.34 من 4 ، وما إن حصلت ابنتي على الشهادة الجامعية إلا واجتهدت في كل مكان وفي كل اتجاه للبحث لها عن وظيفة تؤمن بها حياتها من نوائب الدهر وتقلبات الزمان، حيث إن هذه الفتاة ليس لها أحد بعد الله إلا حكومتنا الرشيدة والرجال الصالحون الذين يسعون إلى الخير ويدلون المسؤولين عليه، وإنني أتساءل: لماذا لا يتم استثناء هذه الفئة من أبناء وبنات المجتمع من كافة الشروط؟ ولماذا لا يتم تعيينهم مباشرة وفي مناطق سكناهم؟ لماذا نكون نحن والقدر وظروفهم الاجتماعية عليهم؟ لماذا لا نساعدهم ليكونوا لبنة صالحة في خدمة وطنهم ويعطون الفرصة المناسبة للانخراط في المجتمع؟ لقد كتب القاضي في صك الحضانة أنها حرة، وأن ولي أمرها خادم الحرمين الشريفين، وإنني أتعجب إذا كان ولي أمرها خادم الحرمين الشريفين، وهو ولي أمر المسلمين في هذه البلاد، فلماذا يقف بعض المسؤولين في طريق توظيف هذه الفئة؟ لماذا يمنعون عنهم مساعدة دولتهم لهم؟ لماذا لا يتركون من يستطيع أن يتقدم بخير يقدمه لهم؟ لقد راجعت ديوان الخدمة المدنية في جدة وتساءلت عند مديره عما سبق وذكرته من تساؤلات وأفادني بأنهم قد خاطبوا الوزارة لكنها لم تجب، وإنني أتساءل: كم يمكن أن يكون عدد مجهولي الأبوين في هذه البلاد؟ إنه لا يتجاوز المئات خصوصا الجامعيين منهم، ألا يمكن استثناؤهم وتوظيفهم مراعاة لظروفهم وتقديرا لاجتهادهم؟.
كلنا نعلم أنه لا يوجد عمل خير أفضل وأحسن من الإحسان إلى يتيم، فكيف بالله عليك بلقيط لا أم ولا أب ولا قريب ولا جماعة ولا شيء أبدا، بل هو لوحده ومن نفسه يبدأ، ألا يكون تقديم الخير والمعروف له أبلغ منه لليتيم؟». انتهى
ومع اتفاقي مع تساؤلات هذا الرجل الفاضل - كثر الله من أمثاله -، وتوجعي لوجعه، وأوجاع المئات وربما الآلاف من (اللقطاء)، فإنني أرجو أن يجد هؤلاء من أنظمة التوظيف ما يخفف عنهم نظرات المجتمع الحارقة، وأمل هؤلاء مرفوع إلى أبيهم ووالدنا جميعا خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله -، وهو أمل تدعمه ثقة كبرى في نظرة حانية من (ملك الإنسانية)، وفقه الله ورعاه.