أعتذر إليكم أيها السادة «المجانين».
.
فقد ظلموكم فقالوا «هذا عالم مجنون».
.
ظلموكم حينما نسبوا إليكم الغواية.
.
والجنوح.
.
والجموح.
.
والقسوة.
إن كان هذا عالما مجنونا، فإن جنونا عن جنون «يفْرِق»! أنتم ألطف الناس، وأجمل الناس.
.
أنتم أهل الجنون اللذيذ.
.
صحيح أنكم ـ في معظم الوقت ـ في «الطراوة»، لكن تلك الطراوة التي لا تنشغلون فيها بسعار الحياة التي عصف بمن كان قبلكم وسيهلك من يأتي بعدكم.
.
سيأتي بالويل والثبور وعظائم الأمور، وسيهلك الحرث والنسل، إن لم يتدارك الله البشرية برحمته.
فوق الدّكة كان يتّكئ «طراوة».
.
وكانت «كراعينه» الطويلة تتجاوز حافّتها، حيث يمكن رؤيتها من أوّل الشارع.
.
قال أحد الصبية «طراوة طراوة طراوة»، وضحك.
.
لا حظ طراوة غريمه بنصف عين.
.
كان قد قذفه بقشرة «حبحب»، وهو الآن يحتمي بأمه ممسكا بعبايتها.
ظل محتفظا بقشرة الحبحب، قلّبها في يديه ثم حشرها في جيبه.
.
كان السقاؤون القادمون من «البازان»، ببراميلهم التي تجرها الحمير، قد اتخذوا ممرا آخر.
لكن «فتيني» لم يفطن لذلك، فوقع هو وحماره في العقبة.
.
حتى الحمار عرف ذلك، فقد دفع الهواء ببراطمه الغليظة، إذ لم يكن أقل من صاحبه رعبا من إنسان مسالم، لم يكن له مطلب إلا الماء، والماء فوق ظهورها محمولا أو مسحوبا في البراميل.
.
.
.
.
رسالة إلى مجنون: يقولون عنك مجنونا.
.
و لو كان مثلك في الحارة «عشرة» لصلح هذا العالم.
المجانين في «الطراوة» لأنهم أطرى الناس وآنس الناس بإنسانيتهم، في زمن توارت فيه إنسانية الإنسان.
وسأفتّش وسأفتّش عنها ـ يا صاحبي ـ في كل مكان!