لا أدري، لماذا تذكرت وخطر على بالي هذه الأيام معلمنا السوري الذي كان يدرسنا مواد اللغة العربية في المرحلة الثانوية؟ كان معلما فاضلا بكل ما تعنيه هذه الكلمة، ذا شخصية قوية وجذابة في نفس الوقت، كان على درجة عالية جدا من الاطلاع والمعرفة والثقافة بشتى العلوم، وخاصة في الأدب وفروعه، أبهرنا بثقافته الواسعة، وأعجبنا به أشد الإعجاب، كان يبهر ويستحوذ على إعجاب كل من يجالسه ويستمع إليه، ولا أعلم إن كان موجودا على قيد الحياة أم لا رحمه الله وغفر له حيا كان أو ميتا وجزاه عنا خير الجزاء.
ذات يوم وفي حصة الأدب، دخل معه أحد الطلاب في نقاش حول الشعر الحديث، واستشهد زميلنا ببعض القصائد لشعراء عرب، والحق أن معلمنا هذا كان يحب النقاش والحوار، ويستأنس بهما، ويسعد ويفرح كثيرا عندما يناقشه أو يسأله طالب في موضوع ما، وفي نهاية حديثه قال أستاذنا: هناك عند بعض الشعراء العرب عقدة من دول الخليج، وتحديدا من حكامها وشعبها وبترولها، وغالبا ما يصور لنا هؤلاء الشعراء، أن هذه الدول برغم ما فيها من نفط وثروات، إلا أنها غارقة في تخلفها ورجعيتها.
ولكن يا أبنائي! أود أن أقول لكم كلمة، يشهد الله أنني صادق فيها، ولا أقولها رياء ولا مجاملة ولا أرغب من ورائها شيئا.
هؤلاء الحكام، يقصد حكام الخليج، حققوا لشعوبهم قدرا كبيرا من الرخاء والرفاهية والأمن والاستقرار، ودفعوا بأوطانهم إلى التقدم والتطور والازدهار والرقي، وشيدوا نهضة وتنمية عظيمتين شملت كافة المجالات، لقد حققوا ما لم يحققه غيرهم من الحكام، خاصة أولئك الذين يدعون ويتغنون ويتشدقون بالديمقراطية، وهم أبعد ما يكونون عنها، فلا هم من مارس الديمقراطية التي يرفعون شعارها كذبا وخداعا، ولا هم من حقق لشعوبهم الرفاهية والرخاء والتنمية، يعني لا هذه ولا تلك، ولم يكتفوا بذلك، بل مارسوا مع شعوبهم كل أنواع البطش.
فلا تنخدعوا وراء الشعارات الزائفة والكاذبة.
ثم قال: حافظوا على بلدكم، أنتم في المملكة تعيشون في نعمة عظيمة تحسدون عليها، فعلاوة على ما أنتم فيه من أمن واستقرار ورخاء، فهناك نعمة أخرى، قد لا تدركونها الآن في سنكم هذا، أتدرون ما هي؟ إنها نعمة الحكم أو الحاكم، أنتم في ظل حكام عقلاء، حكماء، رحماء، عادلين، يكرهون الظلم، ويخافون الله، يحرصون على خدمة دينهم وشعبهم، ويسعون إلى تطور ونهضة وازدهار وطنهم، وهذه نعمة لا يعرف قيمتها وقدرها إلا من يفتقدها.
تذكرت كلام معلمي هذا بعد أن فجعنا برحيل فقيد الوطن والأمتين العربية والإسلامية الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، ونحن نشاهد أن العالم بأسره قد أصيب بحالة من الذهول والإعجاب من أمرين أولهما: هذا الحب العظيم والاحترام المتبادل بين الشعب السعودي الوفي وبين قيادته، وما الحزن الشديد والعميق الذي خيم على أرجاء الوطن، واعتصر قلوب كافة الشعب السعودي بجميع فئاته، برحيل مليكنا ووالدنا وحبيب الشعب عبدالله بن عبدالعزيز إلا دليل صادق على هذا الحب.
الأمر الثاني: إعجاب العالم بهذا الانتقال السلس والسريع والرائع للسلطة الذي يدل على أن المملكة بقيادتها الحكيمة، وشعبها الواعي الملتف حول قيادته دولة متحضرة مستقرة، غير قابلة لتكهنات المرجفين والمتربصين بها والحاسدين والحاقدين على وطننا، في الوقت الذي نشاهد فيه بعض الدول لا يذهب رئيس ويأتي رئيس جديد إلا ويكون المشهد مخيفا، دماء تسال، وأرواح بريئة تزهق، وسجون تمتلئ بالمعتقلين الذين يواجهون أقسى أنواع التعذيب، وفوضى ونهب واعتداء على الممتلكات، وتبدأ سلسلة من عمليات التصفية والانتقام.
فرحنا وفرح كل من يريد لنا ولبلدنا الخير من العرب والمسلمين بقرارات الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله بتعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز وليا للعهد، وسمو الأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد ووزيرا للداخلية، هذه القرارات التي لن تزيدنا إلا قوة وتماسكا، وتعزز وحدتنا واستقرارنا، وتشعرنا بمزيد من الراحة والاطمئنان.
فقط هم الحاسدون والحاقدون على وطننا الذين يغيظهم نجاحنا واستقرارنا ووحدتنا.
فاللهم اجعل كيدهم في نحورهم واكفنا شرورهم.
ختاما نسأله سبحانه وتعالى أن يتغمد فقيدنا الملك عبدالله بن عبدالعزيز بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويجزيه خير الجزاء على ما قدم لدينه ولشعبه ووطنه وللأمتين العربية والإسلامية، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يوفق ويعين كلا من الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده، وولي ولي عهده إلى ما فيه الخير وأن يحفظ بلادنا من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار والرخاء.
قيادتنا عنوان العدل والرحمة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
