لا يزال الملف الإيراني النووي يحظى منذ سنوات باهتمام المراقبين والخبراء.
ولا تزال التكهنات والتحليلات التي تحيط بالمفاوضات بين إيران والدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي الخمس بالإضافة إلى ألمانيا (مجموعة 5+1)، تحتل مركز الصدارة في الصحف ونشرات الأخبار العالمية.
وهذا ليس غريبا، لأن تداعيات أي اتفاق –أو انعدامه - بين القوى العالمية وإيران حول الملف النووي الإيراني سيكون لها انعكاسات حاسمة على دول الشرق الأوسط والعالم.
ويتوقع كثير من المراقبين ألا تحرز المفاوضات الحالية بين دول مجموعة 5+1 وإيران تقدما مهما في المرحلة الحالية، وأن يعمد المتفاوضون على الأرجح إلى تمديد الاتفاقية الانتقالية الموقتة التي تم التوصل إليها منذ ستة أشهر حول البرنامج النووي الإيراني.
وكالعادة، سيعقد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مؤتمرا صحفيا يثني فيه على جهود الطرفين التي أثمرت عن إيجاد أرضية مشتركة تسمح باستمرار المفاوضات.
وفي هذه الأثناء، وبفضل هذا «التعاون» التاريخي و»التنازلات» المهمة التي قدمتها إيران، ستستمر أجهزة الطرد المركزي في الجمهورية الإسلامية، والتي يبلغ عددها 9000 جهاز، في الدوران وفي تخصيب اليورانيوم؛ أما الـ 10.000 جهاز طرد مركزي الأخرى التي تم تركيبها فلن يتم تفكيكها أو التخلص منها.
في نهاية المطاف، ستتمكن أجهزة الطرد المركزي هذه، أو آلاف الأجهزة الجديدة الأخرى الأكثر تطورا، من إنتاج وقود من النوع المستخدم لصنع أسلحة نووية.

تقبل الحقيقة

وفي جميع الأحوال، سواء تم تمديد الاتفاقية النووية الرسمية الموقتة لمدة ستة أشهر أخرى أو سنة إضافية، فإن من المؤكد أن النظام الإيراني لن يتخلى عن مشروعه النووي الذي بدأه منذ حوالي 30 عاما، لذلك فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها على الأرجح في مواجهة خيار حتمي تقريبا: إما أن تقبل حقيقة أن إيران أصبحت دولة نووية بكل ما لذلك من انعكاسات خطيرة على الأمن في الشرق الأوسط والعالم، وإما أن تقوم بضربة عسكرية استباقية لتدمير المنشآت النووية الإيرانية وتعطيل برنامج طهران النووي.

دبلوماسية مستحيلة

ماثيو كرونيج، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية الذي كان مختصا في الشؤون الإيرانية وكان يركز على التحدي النووي الإيراني في عهد وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت جيتس، يرى هذه الحقيقة بوضوح.
الكتاب الذي نشره ماثيو كرونيج أخيرا بعنوان «وقت للهجوم» يرى أن الحل الدبلوماسي غير ممكن مع النظام الإيراني، ولذلك فإنه يتبنى الخيار العسكري، لأنه يعتقد أنه الطريقة الوحيدة الممكنة لوقف توجه نظام رجال الدين الإيرانيين نحو الحصول على سلاح نووي.
ويتناول الأستاذ في جامعة جورج تاون ماثيو كرونيج القضية النووية الإيرانية بوضوح وصراحة، ويعبر عن رأيه دون مواربة بأن الأمل بأن يكون البرنامج النووي الإيراني برنامجا سلميا في طبيعته، هو أمل ساذج يتجاهل الحقائق على الأرض.
ويقول: إيران ترغب في صنع أسلحة نووية.
الأشخاص الوحيدون الذين تخدعهم إيران في هذه المرحلة هم الأشخاص الذين يريدون أن يُخدَعوا.
ويرفض الكاتب مقولة إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستحذو حذو اليابان السلمي في برنامجها النووي، ويقدم أدلة على ذلك، مؤكدا أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن أن يكتفي بالجانب السلمي المدني، وأنه سيتجه عاجلا أم آجلا نحو بناء قنبلة نووية.
ويؤكد الكاتب أنه ببساطة من المستحيل أن تبذل إيران كل هذه الجهود لتصل إلى مسافة قريبة جدا من إنتاج أقوى سلاح في العالم – سلاح يمكن أن يساعد إيران على تحقيق أقصى أهدافها الجغرافية – السياسية - وبعد ذلك فجأة تتخلى طوعا (عن صنع ذلك السلاح)، مشددا على أن النظام الإيراني لم ينفق حتى الآن حوالي 100 مليار دولار على برنامجه النووي لكي يتوقف أو يتراجع الآن عن تحقيق طموحاته في هذا المجال.

مسؤولية أوباما

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يؤكد أنه مستعد لإصدار أوامره بالهجوم على إيران لمنعها من الحصول على سلاح نووي – في عام 2012 قال الرئيس باراك أوباما إن حصول إيران على سلاح نووي أمر غير مقبول - والكاتب ماثيو كرونيج يريد أن يتحمل الرئيس أوباما مسؤولية كلامه وينفذ تهديده ضد إيران.
هذا قد لا يكون موقفا ذا مصداقية من الرئيس الأمريكي، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار موقفه من النظام السوري، لكن كرونيج يعتقد أنه «لا يوجد رئيس يريد أن يكتب التاريخ عنه أنه القائد الذي سمح لإيران بالحصول على أسلحة نووية خلال فترة رئاسته، خاصة إذا أدى امتلاك إيران للأسلحة النووية ذات يوم إلى نشوب حرب نووية مدمرة».

خداع الأمريكيين

مثل الرئيس الأمريكي، يعبر الكاتب عن أمله في أن تنجح المفاوضات النووية الحالية مع إيران، لكنه يشكك في تحقيق ذلك إلى حد كبير.
يشير كرونيج إلى دراسة أجرتها جامعة ستانفورد الأمريكية حول الدول التي تمتلك أسلحة نووية، ويقول استنادا إليها إن «الأمن، الهيبة، والسياسة الداخلية هي أهم ثلاثة أسباب تجعل الدول تقرر صنع أسلحة نووية.
جميع هذه الأسباب الثلاثة تدفع إيران نحو صنع القنبلة النووية».
ماثيو كرونيج لا يناقش في كتابه مع الأسف السياسة الإيرانية الداخلية، وهذا أمر كان يجب أن يفعله.
على سبيل المثال، يتفاخر الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في مذكراته التي نشرها أخيرا، بالمقامرة النووية الإيرانية ويقول «الأمريكيون انخدعوا بالفعل».
لكن الكاتب يؤكد على تفاصيل مهمة لا يتم ذكرها غالبا في أجهزة الإعلام أو التصريحات الرسمية التي تناقش قضية أجهزة الطرد المركزي والمفاعلات النووية التي تعتمد على المياه الثقيلة وتنتج البلوتونيوم.

فشل الاحتواء

استراتيجية الاحتواء التي اعتمدتها واشنطن على مدى طويل ضد عدة أنظمة، في رأي الكاتب، لا يمكن أن تنجح أيضا.
يتساءل كرونيج «لماذا يصدق أي شخص أننا يمكن أن نخوض حربا نووية ضد إيران إذا لم نجرؤ أساسا على شن حرب تقليدية ضد إيران غير النووية؟»وهكذا يصل الكاتب إلى النتيجة المنطقية بأن الولايات المتحدة، إذا كانت جادة في منع إيران من الحصول على القنبلة، فإن عليها أن تلجأ إلى الخيار العسكري.
هناك أربعة مواقع فقط – منشأتا التخصيب في فوردو وناتانز، منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان، ومفاعل المياه الثقيلة في آراك- يجب تدميرها لعرقلة البرنامج النووي لعقود مقبلة.
ويقر الكاتب أن الخيار العسكري قد يكون مكلفا لأن إيران قد تستخدم سلاح الإرهاب، لكنه يعتقد أن هذه التكاليف أقل من السماح لإيران بأن تتحول إلى دولة نووية.

الكتاب: وقت للهجوم: الخطر النووي الإيراني الوشيكA Time to Attack: The Looming Iranian Nuclear Threat.

الكاتب: ماثيو كرونيج Mathew Kroenig

الناشر: بالجريف ماكميلان، 2014


.. ولماذا تصنع الصواريخ البالستية؟

ويقول الكاتب ماثيو كرونيج إن «إيران تبني صواريخ بالستية عابرة للقارات.
ليس هناك بلد على وجه الأرض، ولا حتى الولايات المتحدة الأمريكية، يضع رؤوسا حربية تقليدية على الصواريخ البالستية العابرة للقارات.
تقليديا، هناك هدف واحد من هذه الصواريخ: توصيل رؤوس حربية نووية إلى بعد آلاف الأميال.
إذا لم تكن إيران تصنع أسلحة نووية، فلماذا لديها برنامج نشيط لإنتاج وتطوير صواريخ بالستية عابرة للقارات؟».
وعلى الرغم من أن الكاتب لا يعارض استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة دبلوماسية للضغط على النظام الإيراني، إلا أنه لا يعتقد أن هذه العقوبات وحدها ستكون قادرة على إيقاف طموحات طهران النووية.
الاقتصاد الإيراني تأثر كثيرا بسبب العقوبات على مدى سنوات طويلة، ومع ذلك فإن إيران لم توقف برنامجها النووي.
وإذا لم تكن العقوبات قادرة على وقف البرنامج النووي الإيراني، فهل هناك استراتيجية أخرى لتحقيق ذلك الهدف دون اللجوء إلى الخيار العسكري؟ يعبر كرونيج عن تشاؤمه في هذا المجال.
ويقول: إيران مستعدة أكثر من أي وقت مضى لمواجهة أي هجوم الكتروني يعتمد على البرمجيات الخبيثة، مثل فيروس الكومبيوتر «ستوكسنت» الذي عطل لفترة قصيرة كثيرا من أجهزة الطرد المركزي.
جميع المسؤولين في واشنطن تقريبا يحلمون بحدوث تغيير في النظام في إيران حتى لو لم يقولوا ذلك علنا.
لكن احتمالات حدوث ذلك ضعيفة جدا بسبب القبضة الحديدية التي تستخدمها طهران ضد أي تحرك يهدد النظام.
هذا ما حدث مثلا عندما قمعت طهران بقسوة «الحركة الخضراء» الديمقراطية في عام 2009.
العمليات العسكرية السرية التي يمكن إنكارها فيما بعد، خاصة في حال فشلها، لا تمثل خيارا حقيقيا أيضا.
عمليات اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين التي يعتقد أن عملاء إسرائيل نفذوها لم تحقق الكثير.
وحتى لو شكلت الولايات المتحدة وإسرائيل فرق عمليات خاصة أو طائرات شبح وهيأتها لمهاجمة المواقع المهمة في إيران، سيكون هناك حاجة للقنابل الخاصة المضادة للتحصينات التي يبلغ وزنها آلاف الكيلو جرامات لتدمير موقع تخصيب اليورانيوم في فوردو، والمبني على أعماق كبيرة في الجبال.
الجميع يعرف أن هناك بلدا واحدا يمتلك مثل هذه القنابل: الولايات المتحدة.


..ومفاوض إيران يدعو لحوار مباشر مع أمريكا

دعا المفاوض الإيراني السابق في الفريق الإيراني للتفاوض مع الغرب حول برنامج إيران النووي حسين موسويان بلاده إلى إجراء حوار مباشر مع الولايات المتحدة يشمل كل المجالات وليس فقط الملف النووي.
وتحدث موسويان في مقابلة مطولة مع صحيفة «اعتماد» الإيرانية الخميس الماضي، عن مستقبل المفاوضات مع مجموعة 5+1 والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والعقوبات الدولية المفروضة على إيران وعدة مواضيع أخرى.
وقال: من وجهة نظري الشخصية يجب أن يكون هناك مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية ليس فقط فيما يتعلق بالملف النووي وفي إطار مجموعة 5+1، بل التفاوض مع واشنطن في المسائل الثنائية والإقليمية والدولية كافة، وقد ذكرت ذلك في العديد من المؤتمرات والأوراق البحثية وما زلت أؤمن بذلك.
وأضاف موسويان: لدينا خلافات جوهرية مع الولايات المتحدة كما أن لنا مصالح مشتركة معها أيضا.
لم نتفاوض معها حول تلك الخلافات بشكل جدي.
ومن جانب آخر لم نتعاون أو نتفاوض معها أيضا فيما يتعلق بالمصالح المشتركة.
إذا تم ملء هذا الفراغ فسيثبت عمليا خطأ النظرية التي تقول إن بقاء الجمهورية الإسلامية واستمرارها يتمحور حول العداء مع أمريكا..عندما نقول يجب أن يتم رفع العقوبات الأحادية ومتعددة الأطراف والدولية فإنه يجب علينا أن نتباحث مع تلك الدول والواقع يقول إن أهم العقوبات المفروضة على إيران تم إقرارها من قبل الكونجرس الأمريكي وتعمم العمل بها على المستوى الدولي.
وتابع: لا نستطيع أن نتفاوض مع ألمانيا وبريطانيا وروسيا لكي يتخذوا قرارات بشأن العقوبات المفروضة من قبل الكونجرس الأمريكي.
بناء على ذلك، تقرر التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية.
من جانب آخر، منذ عام 2006 أصبحت الولايات المتحدة عضوا في مجموعة 5+1، لذا فمن غير المنطقي ألا نتفاوض مع أحد أعضاء هذه المجموعة ناهيك بأن هذا العضو يعد أهم أعضاء مجموعة التفاوض هذه.
لذا أرى أنه كان يجب علينا أن نتفاوض مع الولايات المتحدة منذ أن أصبحت عضوا في مجموعة 5+1.وأضاف موسويان: الاتفاق الأخير لم يكن ليحدث دون التفاوض الجدي الذي جرى بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
وحول الزمن المتوقع لرفع العقوبات عن إيران، قال موسويان: أعتقد أن العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة سيتم رفعها خلال مدة لا تتجاوز الشهر الواحد بشرط وجود الإرادة السياسية لذلك.
أما العقوبات الأحادية المفروضة من قبل بعض الدول الأوروبية فقد يتم إلغاؤها خلال مدة قصيرة جدا قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد، أما العقوبات التي قد تحتاج لفترة أطول ويجب علينا العمل بشكل مكثف تجاهها فهي تلك المفروضة من قبل الكونجرس الأمريكي لأن الکونجرس یعارض فکرة التفاوض مع إيران.
لذا يجب على الرئيس الأمريكي استخدام صلاحياته القانونية ويتصدى لأي محاولات لفرض عقوبات جديدة على إيران ويعمل على رفع العقوبات الحالية.