حين تكون اللغة انكشافا محبّبا للذات واكتشافا مُبهجا للآخر، فإنّها تصير تعبيرا صارخا لدى الإنسان عن شهوة الوجود، وتبلغ - بصياغاتها الجميلة والباهرة - أعلى درجة من درجات تعبيره عن أبعاد كينونته ضمن جماعته الإنسانيّة. إنّها بذلك تغدو المعادل الموضوعي لحفظ الذات حين تنداح في سيرة النوع البشري برمّته. ويغدو النطق بها لذّة وبهجة ومتعة وصياغة جماليّة لاكتمال معنى الوجود في نفس الإنسان الناطق؛ لأنّه يحقّق بذلك شكلاً إنسانيّا من أشكال توكيد الوجود، بنقله إلى الحضور الممتلئ بعد كمونه في غياهب العدم.
لذا كان من لطيف ما جاء في الذكر الحكيم أن يكون الصوم عن شهوة الكلام مع الناس آية من آيات تحقّق المراد بالإيجاد الإنساني، فحين طلب زكريا -عليه السلام- من ربّ العزّة - جلّ وعلا - أن يرزقه بغلام على كبر منه، وعقر في زوجه، وعده الله بأن يرزقه بالنبي يحيى - عليه السلام -، فكان ذلك بعد آية العلامة بالصوم عن الكلام مع الناس «قال ربّ اجعل لي آية قال آيتك ألاّ تكلّم الناس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزا».
واللطيفة الأخرى هي ما أمر الله به مريم العذراء وقد حزبها أمر ميلاد المسيح، بأن تصوم عن الكلام مع الناس «فكلي واشربي وقرّي عينًا فإمّا ترينّ أحدًا من البشر فقولي إنّي نذرت للرحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا».
إنّ الصوم في سياق الآيتين هو صوم عن الكلام، ولعلّه أصعب من الصوم عن الطعام والشراب. وقد اتّصل بكون الصائم في الحالتين؛ إمّا مقدم على الإنجاب وهو الرجل المسن وزوجه عاقر، أو منجبة من غير أن تتّصل برجل وهي العذراء في حالة السيّد المسيح - عليه السلام -، فهل جاء هذا الصوم عن الكلام، وهو فعل مجاهدة بالامتناع، علامة على ما في فعل الخلق والإيجاد - بفضل كلمة (كُن) الإلهيّة - من دهشة وغرابة وإعجاز؟