(الأمة التي تعجز عن صناعة مستقبلها، وتتكاسل حتى عن الاستعداد المبكر لاستقباله، محكوم عليها بأن تكون أيامها سلسلة لا تنقطع من المفاجآت الفاجعة).
بينما ينشغل الكثيرون منا – والكثيرات - بخزعبلات قراءة الطالع في حثالة القهوة، وبين أوراق اللعب، وعبر خطوط أكفهم.. وبينما يعتقد هامش عريض من بني العرب أن شخصياتهم وأقدارهم تحددها مواقع الكواكب في لحظة الميلاد؛ بحيث يكون مواليد برج الأسد قياديين، ومواليد برج العذراء عاطفيين!
بينما حال بعضنا ينحدر إلى هذا الدرك المخزي من الخرافة والتفكير اللاعقلاني واللاعلمي المهين سعيا لاستشراف ملامح المستقبل، يدهشنا أن دولنا العربية على امتداد الخريطة وتنوعها بين متقدم ومتخلف، ثري وفقير.. لا تلقي بالا على الإطلاق لدراسة المستقبل، سواء بتخصيص ميزانيات لمراكز أبحاث متخصصة في الدراسات المستقبلية، أو باستحداث درجات علمية في هذا التخصص الذي يجمع علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع بالفلسفة والفنون وأدب الخيال العلمي!
والغياب شبه الكامل للدراسات المستقبلية عن أكاديمياتنا، وعن مراكز صناعة القرار المساندة لحكوماتنا، يؤدي تلقائيا إلى الحالة العجيبة التي يعيشها العرب منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية قبيل منتصف القرن الماضي وحتى الآن؛ فكل ما يحدث لهم يفاجئهم ويربكهم ويدفعهم لإعادة ترتيب أوراقهم ومواقعهم.. كل ما يحدث لهم، وكل ما يحدث لجيرانهم، وكل ما يتغير في العالم الواسع من حولهم، يباغتهم، ويأخذهم على حين غرة، فيرتجلون ردود أفعال غالبا ما تكون متسرعة وغير مدروسة وتؤدي إلى الإضرار بهم، وإهدار حقوقهم، وتحقيق مصالح أعدائهم!
وهذا لا يعني أن العالم المتقدم الذي يعتمد في صناعة قراراته السياسية والاقتصادية على شبكة واسعة من مراكز الأبحاث المتخصصة في الدراسات المستقبلية، والقادرة بعقولها اللامعة المدربة على رسم سيناريوهات متعددة للمستقبل القريب (من 5 إلى 50 عاما)..هذا لا يعني أن العالم المتقدم يرى المستقبل بوضوح كاشف دون نسبة خطأ أو انحراف، ودون احتمالات للمفاجآت غير المتوقعة... كلا، فهذا ينافي طبائع الأمور، ويتناقض مع غموض الحياة الملازم لها، واستحالة التنبؤ الدقيق بتصرفات البشر، لكن الميزة النسبية التي يقدمها اعتماد الساسة في العالم المتقدم على البحوث المستقبلية الجادة المعمقة، أنها تمنحهم المرونة العقلية اللازمة لاتخاذ القرار الصائب، دون تشنج ناتج عن صدمة المفاجأة، فالمحترفون من النخب الحاكمة في العالم المتقدم لا يسمحون للأحداث بأن تفاجئهم، لأن لديهم سيناريوهات مستقبلية متنوعة، ومعروفة مسبقا بملامحها العامة على الأقل، ويتدربون باستمرار على التعامل معها.
وحين تقع الواقعة، ويتحقق سيناريو منها على أرض الواقع، مهما كان قاسيا ومأساويا، فإنه يجد قادة قادرين على التعامل معه، بعقول باردة واحترافية، وليس بقلوب مفجوعة وعاطفية!
كما أن انتشار كتب الدراسات المستقبلية المؤلفة خصيصا للقراء العوام، في أمريكا وأوروبا واليابان...إلخ يؤدي لنفس النتيجة، لكن في عقول الشعوب هذه المرة، إذ إن المستقبل لا يفاجئ تلك الشعوب المدربة، ولا يصيبها – مهما كانت قسوته - بالارتباك والهستيريا، بل إنها تتلقاه بمرونة فائقة تؤهلها للتعامل الفعال معه، وتحويله إلى ما فيه مصلحتها.
..
تريدون الحقيقة؟
لقد اعتدنا على الاختباء في ظلال أنوفنا، لا نرى – ولا نحب أن نرى ما هو أبعد - نتواكل مرددين بكسل وخمول «إن المستقبل بيد الله»، وهي قولة حق نريد بها الباطل!
فالله جل جلاله، استأثر لنفسه بعلم الغيب، لكنه أمرنا أمرا مشددا بصناعة مستقبلنا بأيدينا، أو على الأقل بالاستعداد له استعداد الأقوياء الأذكياء..فهل ننتبه إلى خطورة جهلنا التام هذا بمستقبلنا، أم إننا قد أدمنا المفاجآت التعيسة، ونقول هل من مزيد؟
هل سيفاجئنا نفاد نفطنا؟
هل سيفاجئنا فقرنا المائي؟
هل سيفاجئنا انفجارنا السكاني الوشيك؟
هل سيفاجئنا تفكك أقطارنا إلى دويلات أصغر فأصغر؟
هل سيفاجئنا أن أقلياتنا تفضل أعداءنا علينا؟
هل ستفاجئنا إيران النووية؟
هل ستفاجئنا الدولة الكردية؟
هل سيفاجئنا احتلال داعش أو غيرها من منظمات إرهابية لعاصمة عربية؟
هل سيفاجئنا انهيار اقتصادي عالمي/عربي جديد؟
..
أم إننا – نحن العرب - سنجرؤ على النظر أبعد من ظلال أنوفنا؟