نحمد الله سبحانه وتعالى أن بلغنا شهر رمضان المبارك، ونسأله أن يوفقنا للصيام والقيام، وأن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وليسمح لي القارئ الكريم أن أقول له ولنفسي هذه فرصه لا تتكرر إلا مرة كل عام، ولا نعلم من سوف يدرك رمضان الأعوام القادمة، خاصة وأننا نشاهد كثرة الوفيات بين مختلف الفئات العمرية، رجالا ونساء، وشبابا وشيوخا، وأطفالا وكبارا، فالموت سنة الله في خلقه، فعلينا أن نتعظ ونعتبر ممن سبقنا في الرحيل إلى الدار الآخرة، وأن نستعد لهذا اليوم، ومفارقة الأهل والمناصب، والجاه والمال، وكل مغريات الحياة الدنيا الفانية الزائلة، ويأتي شهر رمضان، هذا الموسم العظيم، فرصة عظيمة لكل مسلم ومسلمة للتقرب إلى المولى جلت قدرته، وذلك بالإكثار من الطاعات وتجنب المعاصي والمنكرات، وما أكثرها، ولعل من أبرزها ما تبثه معظم هذه القنوات الفضائية من الأفلام والمسلسلات والبرامج، التي تتنافى في مضمونها ومحتوياتها مع قدسية هذا الشهر الكريم.
ورحم الله أيام زمان، ذلك الزمن الجميل الذي خلا من معظم وسائل اللهو، حيث كان الجميع يستثمر أيام الشهر الفضيل بالصيام والقيام والدعاء والتواصل الاجتماعي، بعيدا عن كل ما يغضب الباري جلت قدرته، في حين نجد في وقتنا الحاضر ـ وللأسف الشديد ـ انتشارا غير طبيعي لكل ما يبعد ويلهى عن ذكر الله وطاعته، وكما أسلفت يأتي في مقدمتها القنوات الفضائية، والشيء المؤلم أن أصحابها هم من أبناء جلدتنا، ومشهود لآبائهم بالأعمال الصالحة، والغيرة على محارم الله عز وجل، وأرجو أن يتذكر هؤلاء تاريخ الآباء والأجداد المشرف، وأن يتذكروا يوم العرض على الله والسؤال عن كل صغيرة وكبيرة، وفى المقابل أشد على يديّ من استثمر هذا الوقت في تقديم كل ما ينفعه في آخرته، من صلاة وصيام، وتلاوة لكتاب الله عز وجل وتدبر وتأمل آياته، وإنفاق في سبيل الله بالمال والطعام، وحفظ اللسان عن الغيبة والنميمة، ومما يثلج الصدر ما نشاهده من حرص كثير من أبناء هذا الوطن المعطاء، على الإكثار من الصدقات، ويأتي في مقدمتها إفطار الصائمين وسداد الديون عن المعسرين والمدينين وتفقد أحوال الفقراء والمحتاجين، فضلا عن امتلاء المساجد والمصليات في جميع الفروض الخمسة وفي صلاة التراويح والتهجد، وكل ما أرجوه وأتمناه استمرار هؤلاء على هذا النهج القويم بعد رمضان، لأن من علامات قبول العمل الصالح استمرار المرء عليه بعد ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.