أدرك تماماً أن شريعتنا الغراء ما جاءت لتنهانا عن شيء أو تأمرنا بآخر إلاّ لسبب منطقي يوافق العقل، حيث جاء القرآن والسنة موضحين لكثير من أسباب وعلل التحريم لكي يكون الإسلام متوافقاً مع التفكير السليم، ولا أشك أبداً في أنّ من كمال هذا الدين العظيم أنه جاء ليحرك العقول ويحملها على التفكر والإدراك لا أن يعطلها ويلقيها جانباً.
كنت أتصفح اليوتيوب، ووجدت مقطعاً لأغنية شهيرة لكن مغنيها أعاد غناءها دون موسيقى، أي أنها نفس الأغنية بنفس اللحن والكلمات ونفس المغني، كل ما تغير هو إزالة الموسيقى، ما أثار استغرابي هو بعض الردود التي قرأتها، فأحدهم يقول «يا زين الأغاني بدون موسيقى، يا ليت كل الأغاني بدون موسيقى...»، والآخر يقول «ليتهم يعيدون إنتاج كل أغاني فلان، ويخلون بس صوت فلان بدون موسيقى يا رب، ما نبي نسمع موسيقى والله تعبنا».. هاتان الجملتان البسيطتان وغيرهما تكشف عن أزمة فكر حقيقية، فنحن أمام مجتمع تشبعت حواسه بالأحكام الموجعة والتي يتلقاها دون إعمال للعقل، لست بصدد الحديث عن أدلة تحليل وتحريم الموسيقى فذاك موضوع أشبع طرحاً، لكنني فعلاً أتعجب، كيف يحرم البعض الأغاني إذا كانت بموسيقى ويجيزها إن لم توجد، أليست نفس الكلمات واللحن والتأثير والجودة والأداء، بل ربما يتعلق قلبي بأغنية خالية من الموسيقى أكثر من أخرى بموسيقى! أنا أحترم جداً من يقول بحرمة الأغاني كلها إن كانت بموسيقى أو لا، وأعجب من ذلك الذي يتناقض فكرياً ويبيح ويحرم بحسب هواه.
مثال آخر قد يدلنا على المشكلة، وهو مثال تحريم كشف الوجه، فإذا اتفقنا أن الهدف من ذلك هو إبعاد الفتنة، فأنا أرى النقاب أكثر فتنة وخطورة لأنه يبدي أجمل ما في المرأة «العينان»، بل وإن أي امرأة قبيحة ستظهر فائقة الجمال بالنقاب لأنه أظهر مفاتنها وستر عيوبها، وهو أمر مخالف تماماً لما يحاولون الدعوة إليه «الستر»، أيضاً أكرر ما قلت أعلاه، أنا أحترم جداً من يقول بتغطية الوجه بالكامل دون إبراز العينين، فمنطقه وحجته أقوى من ذلك الذي يقول بالنقاب، على الأقل هو ليس متناقضا.
حسناً، لماذا أتحدث بهذا المنطق، وكيف أفسر الحكمة من أمور كالصلاة والصيام؟ أعتقد ببساطة أن أسس العقيدة والعبادات المتعلقة بالله لا تحتاج لسبب ظاهري حتى نؤديها، فالصيام مثلاً -إضافة لفوائده الصحية- نؤديه امتثالاً لأمر الله حتى لو لم يكن له فوائد وحكم معلومة، لأنه لو كان يصوم بسبب فوائده للجسم فربما فضّل أحدهم الصيام حتى العشاء بدلاً من المغرب. أما في الأمور الدنيوية أو المعاملات أو مصالح البشر أو الآداب والأخلاق فيجب أن نعلم لم أحلّ الله هذا ولم حرّم ذاك؟ وندرك السبب حتى نستطيع القياس عليه أيضاً، فمثلاً لو أتينا لتحريم الخمر لأنه يذهب العقل، بنفس القدر نضع حكم المخدرات، ولو أتينا لأحكام مثل تحريم القتل والزنا والربا وغيرها لاستنبطنا فوائد وأمور تحتم تحريمها.
وقياساً على ذلك فأمور أخرى تنتفي حرمتها متى انتفت علّة التحريم والحديث يطول في ذلك، وينسحب عليه أمور كثيرة جداً نعايشها الآن ويدور حولها اللغط، ولو اتبعنا مقاصد الشريعة لابتعدنا كثيراً عن الجدل الحاد والسفسطة الفكرية التي تقوم بها أطراف عديدة لتحقيق مصالحها الشخصية. فما الحكمة -مثلاً- من وجود المحرم مع المرأة في السفر؟ بالطبع من أجل حمايتها، لكن ماذا لو انتفت الخطورة مثل أن تسافر بالطائرة فلا يوجد خطر إطلاقاً، هنا ألا يجوز لها السفر وحيدة؟ أيضاً لو نظرنا في الأزمان السابقة لوجدنا أن عبادة الأوثان كانت منتشرة جداً ولذا جاءت الشريعة بتحريم التصوير (التجسيم) حتى لا يعبد أحد من دون الله، فهل يوجد هنا في زمننا الحالي من يعبد صورة أو من يُخشى على الناس أن يعبدوه من دون الله إن أقيم له تمثال؟ الموضوع يمهّد النقاش حول أمور كثيرة كنا نخشاها ونعتقدها مسلمات دون أن نفكر في أبعادها ومقتضياتها، ولكن ماذا لو تفكرنا فيها قليلاً؟
أترك لخيالكم الخصب الجنوح في كل الاتجاهات وتحليل الأمور بعقلانية، كما أدعو الجميع لأن يقرأ بترو ويعي ذلك قبل إطلاق الأحكام والفتاوى دون تحليل، هذا بالضبط ما أعتقد أنه يضعنا في دائرة الوسطية بعيداً عن منهج من يهملون المقاصد ومنهج من يعطلون النصوص.