تنال الأمم استحقاقها من الحضارة، عندما تسلم قيادها لمن يأخذون بطريقها - حقيقة- إلى المدن الآمنة المشعة بالحق والخير والجمال، من ساسة ومخترعين وعلماء ومفكرين، وهذا ما كان واقعا في فترة ازدهار الحضارات، من العصر العباسي في الشرق إلى النهضة الأوروبية في الغرب.. ولكن حين
تكون الغلبة في التأثير على الذهنية الجمعية لذوي الخطابات الانفعالية العاطفية، ممن لا يتجاوز اهتمامهم أكثر من خلو البلاد من الغناء والمسلسلات التلفزيونية، فإن الأمة ترتهن آنئذ إلى لحظة مؤلمة تغيب فيها قيم الحضارة والتقدم إلى آخر مدى..!
وهذا ما يحدث بالفعل في لحظتنا الراهنة، حين تجد ما يقارب (العشرة) ملايين، يدينون بالولاء المطلق لأحد الذين يقدمون أنفسهم دعاة مصلحين، بطرق معنفة، تعج بالإقصاء والتطرف والتناقض، لإنتاج خطاب ذي صبغة دينية.. يمكن مقاربته في هذا النثار.. من خلال ما يأتي:
1- هذا الخطاب يختزل غايات الإصلاح في عنصر (وحيد) فقط، تتجه إليه كل غايات الخطاب بأشكال مختلفة، تتجلى مرة في الفتاوى التي تصدر من رائد الخطاب، والتي تحرم خلوة البنت مع أبيها بسبب الفتنة، أو التي تحث الصبايا في بعض الدول العربية للمشاركة في الجهاد داخل الأراضي السورية، من خلال ما يسمى (بجهاد المناكحة)، والذي يهدف إلى إمتاع المجاهدين لساعات محدودة بعقود شفهية مبتسرة، أو عندما يجيب على سائلة تخبره بأنها نظرت إلى فلبيني يمسك وردة حمراء في ليلة الحب، فأجابها «بأنها وقعت في إثم، ففي ذلك تشبيه بالكفار.. إذ لا يجوز لها النظر إلى مشرك، وكان عليها أن تأخذ في يدها مسواكا للنكاية به..»، إضافة إلى كونه مرجعا فقهيا للمرأة في شؤونها الخاصة.. الصحية والتجميلية.. و..!
كما تتجلى تلك التعبئة الأنثوية عند ذكر الأسباب التي يختزل بها الرجل سبب غضبه (العارم غالبا) من كل رجال الثقافة والإعلام في صحف ومؤسسات بلادنا الثقافية، لأنهم يريدون أن يستمتعوا برؤية فتياتنا في الشوارع وعلى الشواطئ!!
وعندما يريد صاحب الملايين (مريد) أن يخرج قليلا من أسره (المحبب) فليس ثمة أكثر من تجريم القنوات الفضائية (وهو العارف بخباياها)، وإثارة النعرات الطائفية (كأشد ما تكون تلك الإثارة)!.. غير ذلك، فلا نجد عند الرمز الجماهيري الأول في بلادنا أكثر من ذلك!..
2- يبرز في ثنايا خطاب صاحب الملايين (مريد) وتابع بين الحين والآخر، التناقض الصارخ من خلال الإنكار الدائم، الذي يأتي- دائما - بعد الإثبات الدائم (بحسب الشدة أو اللين في قبول خطابه من المؤسسات الحكومية أو من الأفراد).. فها هو في آخر لقاءاته التلفزيونية ينكر جملة من الوقائع، (لا مجال) أبدا لإنكارها، لأنها أصبحت موثقة في العقول وفضاءات تويتر وأستديوهات الإذاعات والقنوات التلفزيونية.. وإليكم على سبيل الاختصار أبرز هذه المآزق:
أ- إنه لا يتعمد إثارة الجدل والرأي العام، ولكن الواقع يفصح عن غير هذا، فعندما يقول إنه مطارد من وسائل الإعلام في كل مكان، فإن ذلك يؤكد أنه يقدم بخطابه مادة دسمة من الإثارة الغرائبية، كالتي يقدمها نجوم الكرة والفن، ثم أليس الذي يأتي بالعجب العجاب من أطرف الفتاوى والأحاديث هو من يتعمد إثارة الرأي العام (كنزول الملائكة في الشام، وبيع الرسول للخمر، وسورة التفاحة الجديدة..).
ب- ينكر (رجل حضارتنا الجديدة) وقائع أخرى، ثبت للقاصي والداني تورطه فيها كالتوقيع للنفير العام في مؤتمر (القاهرة) لنصرة الشعب السوري، والدعوة المؤكدة لإقامة الخلافة الإسلامية.
ج- أما أكثر الدواهي الفاضحة، فهي إنكاره الانتماء للفكر الإخواني، أو التعاطف معه أو زيارة رئيس الوزراء المصري (إبان حكم محمد مرسي) لأن فضاءاته المغردة تعج بمؤازرته الهائلة للنظام الإخواني ودعم المتظاهرين (قبل عام فقط في رابعة العدوية)، ودعوته الملحة لتصوير ما يحدث في زوايا ميدان التظاهر، للوصول إلى التعاطف الدولي مع هؤلاء الإخوان، أما زيارته لرئيس الوزراء المصري فلا تكذبه أعين الناس جميعا على شاشات الأجهزة كلها!.. وهو الآن يكتفي (لحيل شخصية) بإعادة التغريد لفلول الإخوان في مصر وفي بلادنا، من الذين (يعنونون) لبياناتهم بشعار (رابعة) الشهير!
د- أما قوله - أخير- بأن «على شبابنا ألا يغتروا بشعارات داعش البراقة»، فإنه ضرب من تجهيل الناس وتزييف الحقائق، التي تثبت بأنه أحد الرواد الذين أغروا شبابنا باللحاق بشعارات داعش في متاهات سوريا والعراق، قبل أن تكون براقة، أليس هو ذاته من بارك الأعمال الوحشية التي يقوم بها الداعشيون ضد مناوئيهم؟!، و(همس) بكل رقة لأنصار داعش بألا ينشروا المشاهد المتوحشة، حتى لا يفهمها العالم (فهما وحشيا خاطئا)!
3- خطاب صاحبنا يتوافر على معجم شديد القسوة من الألفاظ، حتى نجده لا يبالي بالطابع المؤسساتي الحكومي أو الفردي الاعتباري، لمن تنالهم سهامه، فذلك الإعلامي (سوقي الألفاظ) وقناتي الـmbc والعربية فاسدتان متصهينتان، والسستاني فاجر زنديق، أما أصحاب خطابنا الصحافي الثقافي فقد وصفهم بالعفن والضلال والفسق والنفاق والانحراف الأخلاقي، وبأنهم يكتبون لغايات رخيصة تهدف إلى انحلال المجتمع، رغم أن هؤلاء الإعلامين والمثقفين هم الذين (عروا) لولاة أمرنا -حفظهم الله- مشكلات البلاد الحقيقية، وهم الذين (طال) اهتمامهم الطفل والشيخ والفقير والمريض والمعاق (وليست المرأة فقط)!، كما إنهم في أسوأ حالاتهم لم يضروا بلادنا، ويغررون بفتياننا لترك آبائهم وأمهاتهم سعيا وراء جهاد وهمي (لا دليل على صدقه واكتمال شروطه)، ولم يشوهوا سمعة بلادهم، كما شوهها غيرهم، الذين هم على قائمة الممنوعين من دخول بريطانيا وسويسرا وغيرهما لأفكارهم الإرهابية المخربة!.. وبعد، ألم يحن الوقت لإسكات صوت ذلك الخطاب، الذي سبب لنا المصائب وأثار الفتن وقاد الملايين من أفراد مجتمعنا إلى عالم الأوهام..؟
وألم يحن الوقت بعد لأن تبحث هذه الحشود المليونية عن دليل (حقيقي) يقودها إلى عالم الحقيقة والعلم والحضارة؟!

