مما لاحظته على الراصدين والناقدين للسلوك الاجتماعي في رمضان، تركيزهم على جانب التقصير والانشغال بالمطاعم والمشارب والتسوق والترفيه، على حساب الطاعات من إحسان الصيام والتزام الصلاة وإخراج الزكاة وقراءة القرآن وقيام الليل، دون أن يلتفتوا لرصد ونقد من يمارس هذه العبادات بشكلها لا بمضمونها، حتى صارت أشبه ما تكون بالطقوس دون الروح، الذي من أجله شرعت هذه العبادات.
ولنأخذ مثالاً واحداً على هذا الواقع، حيث تجد من يمارس هذه العبادات التي يفترض أنها لله وليست للناس وبالتالي فهي قائمة على المسامحة لا المشاحة، فضلاً عن كون غالبها من المستحبات لا الواجبات، ومع ذلك تجده يقصر في الواجبات الشرعية لا سيما التي تكون حقاً للناس وقائمة على المشاحة لا المسامحة، وهنا أستحضر قوله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، ومع ذلك لننظر إلى من يتسابقون إلى الصلاة، بل وعلى الصفوف الأولى في التراويح ثم نجد بعضهم من أكثر الناس وقوعاً في الفحشاء والمنكر لا سيما تجاه حقوق العباد، كالكذب في الحديث والغدر في العهد وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة وفجور الخصومة، والأسوأ حينما تضاف المشروعية إلى سلوكياتهم الضالة، كأن يعتبر ارتكاب هذه العلامات للنفاق من الجهاد والاحتساب في سبيل الله، ومن ذلك أنه يعتبر المخالف له في الاجتهاد والفكر ضالا وفاسقا وبالتالي تسقط حقوقه بل ويزعم التقرب إلى الله بالنيل منه، وهذا مثل التكفير الذي وجد أصحابه التبرير له وتقربوا به إلى شياطينهم، وهذا كله يؤكد على أن غالب الناس في عباداتهم لا سيما في رمضان يمارسون طقوساً خالية من الحكمة التشريعية ومقاصد الشارع فيها، ولذا تجد من يسرق ويغش ويخدع من أجل أن يكسب لأجل أن يحج به أو يعتمر بل وتجده في كل عام يحج ويعتمر من أموال الحرام، وفي تويتر كذلك هناك من يكتب في بايو حسابه نبذة تظهر كونه عفيف اللسان لطيف الوجدان ثم تتفاجأ بأنه متطرف إرهابي لم يسلم من تكفيره وسبه وشتمه أحد، ثم عند مناقشته يستدل بآيات الكفار والمنافقين على إخوانه المؤمنين، وهذا ضلال فكري خطير لم نجد من يرصده وينقده ويكافحه بل وجدنا من يؤيده ويغذيه حتى من بعض المشايخ والدعاة وأساتذة الجامعات.
وهناك مسألة مهمة يغفل عنها الكثير من الناس وهي أن من حِكم ومقاصد الصيام تربية الصائم على شيئين، الأول أن يترك شيئًا يراه أمامه ولا يأتيه ولو كان لوحده استجابة لله وتربية على طاعة السر والتحصين التربوي للمسلم، والثاني أنه كما ترك المباح استجابة لله فإن تركه الحرام من باب أولى، وفي هذين الأمرين تربية عظيمة، ولو امتثلهما كل مسلم ومسلمة لما وقعت معاصي السر من الاعتداء على حدود الخالق، ومعاصي العلن من الاعتداء على حقوق المخلوقين.
ولنكن شفافين بشكل أكبر ونقول أين تربية الصيام علينا حينما نعصي الله في السر مع أننا نصوم في السر ولكن دون جدوى تربوية، وكذلك نعصي الله في العلن في حين أننا نترك حتى المباح في العلن طاعة لله بصيامنا فكيف بانتهاك المحرمات من حدود الله وحقوق الناس.
وإذا كان حق الله قائماً على المسامحة والله غفور رحيم، فإن حقوق العباد قائمة على المشاحة ولا يغفرها الله ما لم يغفرها أصحابها ويحللونا في الدنيا قبل حساب الآخرة، ولذا فالقصاص مشروع في الدنيا والآخرة، ولا عفو فيه في الدنيا من ملك، ولا عفو فيه يوم القيامة من الملك العظيم إلا بعفو صاحب الحق.
وأخيرًا يجب أن ندرك أن الكثير من الفرائض والشعائر والعبادات أنها ليست مرادة لذاتها وإنما لغيرها من الحِكم والمقاصد، ولكننا نحولها كثيرًا إلى طقوس قد تكون بشكل يؤدي إلى عكس ما شرع من أجله هذا الأمر، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولها حكم ومقاصد، فللصيام حِكم ومقاصد لم تغب عنا وإنما نحن الذين غبنا عنها حينما جهلناها أو فرطنا فيها ولم نستحضرها ونوعي الناس بها، لأن وعظنا تقليدي ومكرور وممل وبالتالي فصار غير مجدٍ، ولذا كم نحن بحاجة للدعوة بمنهج عرض المقاصد والحِكم لتعزيز نفوس الناس وسوقهم بقناعة نحو الشعائر بإيمان واستشعار لا مجرد طقوس خالية وخاوية من المعاني الربانية الحكيمة.
وفي ختام مقالي هذا أبعث برسالة لكل مسلم ومسلمة أن نستحضر الحكمة من جميع أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة وركن الإحسان، وجميع الواجبات التي تُربينا على أن نكون ملتزمين بعقيدة الإسلام وشريعته الغراء ومنهجه العادل وأخلاقه السامية وسلوكه القويم، بحيث نكون إضافة إيجابية لأمتنا الإسلامية وقوميتنا العربية وأوطاننا التي تستحق منا الأمانة والإخلاص لصالح البلاد والعباد في السر والعلن، وأن نتعاون مع ولاة الأمر فيما فيه صالح الوطن والمواطنين، وأن نقف سدًا منيعًا ضد من يريد بديننا ووطننا الشر، وإذا لم يربينا الصيام على هذه المبادئ فليس لله حاجة في أن ندع طعامنا وشرابنا الحلال ونحن لا ندع الحرام.