مرت على العرب أربع سنوات مليئة بالتحديات التي وحدتهم في وقت لم يتوقع أحد ذلك، فاتفق العرب على محاربة الإرهاب بكل أشكاله، بدءا بما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام أو كما تكره أن نسميها «داعش»، هل سيبقى هذا الود والاتفاق بين العرب بعد أن تختفي كوابيس داعش، أم سنعود للخلافات التي دامت سنوات عديدة ضاربة بآثارها على أجيال ماضية، أرهقتها عناوين الصحف والأخبار الدموية، واشتاقت لأغاني الوحدة العربية الوطنية من جديد.
الكاتب عبده خال قال في حديثه لـ»مكة»: علينا العودة للخلف لمعرفة منبع انطلاق المقولات الثابتة، ومسألة عدم اتفاق العرب استندت لحديث لا أعرف مدى صحته، إلا أنه شكل وعاء لمقولة عدم اتفاق العرب أو المسلمين، ففي ذلك الحديث روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من ربه ثلاث خصال، فأجابه في اثنتين ولم يجبه في الثالثة «أن لا يلبسنا شيعا»، وهي الخاصة بوقوع الفتنة والشقاق والاختلاف بين المسلمين أنفسهم، وهذا الحديث رسخ ترسيخا جوهريا فكرة أن العرب لا يتفقون أبدا، بينما كان الخطاب أكثر اتساعا، وهو في الدائرة الكبرى (الإسلام)، وثمة حديث آخر أشار إلى بقاء العصبية، وكثير من الحمولات الثقافية تم حملها عبر الزمن راية بلا سارية، وفي الأساس خرجت من منطلق ديني مغلوط، وبعد خروج العالم الإسلامي من عباءة الخلافة الإسلامية التركية، حدث نوع من المطالبة بالقومية العربية، فدخلت تحت الاستعمار، وبعد أن اتخذت الدول استقلالها، تحولت إلى دول لكل منها حدود وسيادة واستقلالية عن الدول العربية الأخرى، فتمت المناداة مرة أخرى بالقومية والوحدة العربية، حتى إذا تأسست حكومات أخذت تبحث عن مصالحها الوطنية بعيدا عن مفاهيم الوحدة العربية، والتي ظلت شعارا سياسيا ليس له ما يعززه على أرض الواقع.
ومنذ الحرب العالمية الثانية، واستقلال الدول العربية مجزأة، غدا لكل دولة قومية وانتماء مستقل عن الآخر، ومن هنا أصبحت مصالح كل دولة تتعارض مع مصالح الدولة الأخرى، وهذا هو السبب الأول للاختلاف الجوهري الذي كان بين العرب، إذ غدا مفهوم الوطن هو «القطر» ولا يعني الأمة، أي إنه محدد في مساحة جغرافية لها سيادتها ونظامها المستقل عن الأمة الأكبر التي ينتمي الجميع لها.
ومع أن الجغرافيا جمعتهم إلا أن السياسة والمصالح لكل قطر، فرقتهم وكان من الأولى أن تقودهم الثقافة وليس السياسة، فالسياسة استجلبت الفرقة واستدعت موروثها (يا لثارات تغلب)، واستخدم السياسي ثقافة الاستقطاب والمماثلة والمشابهة، ففشل السياسي والثقافي في الوحدة، مما جعل الثقافة تمجد حالة الفرقة بجعل بطولة الزير سالم أنموذجا، فعاد العربي إلى ثقافته الأم في أن يغزو هذا ويقتل هذا أي إنه عاد إلى الجذر الثقافي الأول، والرؤية الإيجابية في كل ذلك هي تصفية الثقافة والموروث من كل شوائب الاختلاف، سواء كانت مذهبية أو طائفية أو عنصرية، ونبذ الكراهية، وهي مهمة المثقفين الأحرار الذين لا يستجيبون لتمرير كل المغالطات التاريخية.
اتفق العرب على ألا يتفقوا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
