ما نشرته هذه الصحيفة قبل أيامٍ من تقرير مميز عن خارطة: «التّسول» إضافةً إلى كوننا في شهر قد اتخذ من لدن كثيرين شهرا للتسوّل أجدني مضطراً لإعادة مقالة كنت قد كتبتها قبلا على هذا النحو:
لِمَ لا ينشط أئمة المساجد، في سبيل حماية حرمتها مِن أذى: «المتسولين»، ويكْفُون المصلين شرّهم الذي استطار، وبخاصةٍ من لدن أولئك الذين احترفوا: «التسوّل» زوراً وبهتاناً ليأكلوا بالتالي صدقات الناس بالباطل، وليس أمرهم بخافٍ على أحدٍ، ذلك أنّ لهم في كلّ جامع ومسجدٍ أكثر من حكايةٍ متهافتةٍ ومن قصةٍ ظاهرة البطلان وبيّنة الدجل، وتوشك أن تأتي كلّها بصورٍ متطابقة؟!
يمكن أن يقال: إنّ ثمّة قولا فقهياً معتبراً لا يرى جواز المسألة/ التسوّل في المسجد وحسب، وإنما يثرّب مؤثّماً مَن كان يسعى لمنعهم وإحراجهم..!
غير أنّ من كان له حظٌ من النظر الفقهي واستوعب تالياً ما في المسألةِ من أقوالٍ ثلاثةٍ (مبسوطة في مظاناتها بأدلتها الشرعية) يعي- جيداً - بأنّ من نزع إلى القول بجواز: «السؤال في المسجد/ أي التسوّل» جعله جوازاً مرهوناً بتوافر شروطٍ وانتفاء موانع تتخلّف أن تتحقّق في جمهرةِ: «المتسولين» اليوم ممن قد باتوا يغشون مساجدنا في صلواتنا الخمس كلها!..، وهم غالباً من ذوي جنسية واحدة لبلد ما أحسبه بخافٍ على أحد!.
ووزارة الشؤون الإسلامية هي الأخرى ليست في منأى عن هذه التبعة، وذلك أنها لن تبرأ لها ذمة إذا لم تشتغل في التوكيد جزماً على: «أئمة المساجد» بالتطهير لمساجدنا من أذى أولئك: «المتسولين/ المتسللين» ذلك أنّ المساجد لم تبن لذلك. وبما أنّي لست ها هنا بمقام البسط الفقهي لتحرير المسألة بنصوصها الشرعية المستفيضة لذا سأكتفي بإيراد ما يمكن أن يتوجه به الأمر إلى: «منعهم» من مساجدنا بلّه طردهم دون أن تأخذنا بهم رأفة:
*قالت المالكية بتحريم السؤال/ التسوّل في المسجد، وفي: «الجامع من الذخيرة» قال مالك: (وينهى عن السؤال في المسجد) وفي: «الإكليل» قال ابن عبدالحكم: (وإذا سألوا فلا يعطوا شيئا)، وابن بطة – كما في المبدع - من الحنابلة يرى التحريم قولا واحدا.
• بينما الشافعية وأكثر الحنابلة يرون كراهية السؤال في المسجد، قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» قال بعض أصحابنا: يكره السؤال والتصدق في المساجد، ومرادهم – والله أعلم – التصدق على السؤال لا مطلقا، وقطع به ابن عقيل).
وقال ابن رجب في «فتح الباري»: (ولأصحابنا وجه، يكره السؤال والتصدق في المسجد مطلقاً)
• وأما الحنفية فيجيزونه بشروطه المعتبرة، وفي رد المحتار: (قال في النهر: المختار إن السائل إن كان لا يمر بين يدي المصلي، ولا يتخطى الرقاب، ولا يسأل إلحافاً، بل لأمر لا بد منه، فلا بأس بالسؤال..) وهو الذي عليه اختيار ابن تيمية.
ولئن تقاعس إمامُ مسجد عن القيام بواجبه إزاء: «المتسولين» فإنّا لن نعدم مأموماً عاقلاً ذا حكمةٍ وموعظةٍ حسنة يقوم بالإنابة عن الإمام المتخاذل بعمل الذي يجب في مثل هذه الحالة. أما الطيّبون من المصلين فلا تجعلوا لعواطفكم سلطاناً على صدقاتكم واعلموا أنّ فينا من الفقراء السعوديين كثيرين ممن لا يسألون الناس إلحافاً هم أحوج إلى إنفاقكم.