هل ينتظر الخليجيون أن تعلن إيران رسميا أن العراق أصبح محافظة تابعة لها، ليعرفوا حجم الأخطار التي تنتظرهم في الأيام القادمة؟ وقد كشفت بعض وسائل الإعلام العربية قبل فترة اللثام عن تخطيط إيراني لإقامة اتحاد كونفدرالي مع العراق»لمواجهة مرحلة ما بعد سقوط حليفها النظام السوري»، وربما ستتضح الصورة أكثر في الأيام القادمة، عندما تطبع إيران علاقاتها مع الدول الغربية الكبرى وتصل إلى اتفاق معها حول برامجها النووية
مهما كانت حقيقة الخبر، فإن مجرد طرح الموضوع يجب أن يثير القلق لدى دول الخليج، وخاصة أن مراقبين سياسيين وكتاب رأي خليجيين يعتقدون أن العراق منذ 2003 أصبح فعلا ضيعة إيرانية، على اعتبار أن الأحزاب والحركات الشيعية المهيمنة على العراق إداريا موالية لها وخاضعة لسياساتها، ولكنني أرى أن هذا ليس صحيحا على وجهين؛ أولاً: إن الأحزاب الشيعية ليست كلها على نسق واحد من الولاء والوطنية، فمنهم من يحملون الروح الوطنية العالية ولا يساومون على استقلال بلدهم، ومنهم أيضا من يوالون ولي الفقيه الإيراني ولا يرون غضاضة في ذلك
ثانيا: إن القول بأن العراق أصبح ضيعة لإيران، خطأ، والصحيح أن العراق في طريقه لكي يكون ضيعة لإيران، والاختلاف بين العبارتين كبير لا يمكن تجاوزه، فالعبارة الأولى تعني أن إيران أخذت الجمل بما حمل وأصبحت صاحبة السلطة الحقيقية في العراق
قد يكون هذا صحيحا ولكن ليس بشكل مطلق، فمازالت بعض خيوط اللعبة السياسية متوزعة بين الكتل السياسية الكبيرة المشاركة في السلطة من الشيعة والسنة والأكراد، كما لا يمكن تجاهل دور أمريكا الأساسي في الخارطة السياسية العراقية وإن انسحبت من البلاد، فهي ما زالت الرقم الصعب الأكبر في المعادلة العراقية والمنطقة أيضا، إلا إذا كانت لديها استراتيجية تقضي بتوسيع نفوذ الشيعة السياسي في المنطقة لمواجهة الأحزاب والجماعات السنية المعادية لتوجهاتها السياسية
وحتى إذا ما افترضنا جدلا أن شيعة العراق كلهم موالون لإيران، وأنهم بصدد ضم العراق إليها وجعله محافظة أخرى تضاف إلى محافظاتها الإحدى والثلاثين تكرارا للحالة الكويتية، فأين دور الأكراد الذين هم القومية الثانية الرئيسة في العراق، ولهم نفوذ وقوة لا يستهان بها؟ فكما لإيران أجندة سياسية طموحة تحاول تحقيقها على أرض الواقع، فإن للأكراد أيضا أجندة سياسية خاصة ومعروفة ــ يتعلق جانب منها بأكراد إيران ــ يحاولون تحقيقها منذ سنين، ولولا الاختلاف الشديد بين الأجندتين وتقاطعهما في أكثر من محطة، لما أقدمت إيران بين فترة وأخرى على قصف القرى والمدن الكردية الحدودية العراقية بالصواريخ والطائرات المقاتلة، وقطعت»مياه أنهار(الوند وسيروان وقارون) المشتركة على مناطق واسعة في مدينة «خانقين» الكردية، مما نتج عنه أضرار بالغة بالممتلكات الزراعية والحيوانية، عقابا للأكراد على مواقفهم السياسية المخالفة
وحتى لو استبعدنا الدور الكردي في مناهضة التوسع الإيراني في العراق، فلا يمكن أن نغض الطرف عن حالة التوتر الموجودة بين إيران والمكون «السني» الذي يرفض الوجود الإيراني في العراق رفضا قاطعا
فالعراق بحسب آراء علماء الاجتماع، يختلف في تركيبته الاجتماعية والثقافية عن الدول المجاورة، ولا يمكن مقارنته بأي دولة أخرى مشابهة، فهو حالة خاصة، تضم مجتمعات متعددة ذات عادات وتقاليد ولغات مختلفة وليس مجتمعا واحدا
فعلى من يطمح أن يتقرب إلى العراق ويكون له موضع قدم فيه، أن يتعامل مع التركيبة الموجودة فيه كما هي، لا كما يريده هو ويختاره، وهو الخطأ الذي وقعت فيه بعض الدول الخليجية في تعاملها مع الشأن العراقي منذ بداية تشكيل الحكم الجديد وسقوط النظام البعثي عام 2003، وحتى الآن
حيث أقامت علاقات حميمة مع بعض المكونات وانفتحت عليها، وأهملت الأخرى وأغلقت الأبواب على وجهها، الأمر الذي دفع بها إلى الارتماء في أحضان الدولتين القويتين في المنطقة «إيران وتركيا» اللتين استغلتا الفراغ السياسي الموجود في الساحة العراقية وفرضتا هيمنتهما السياسية والاقتصادية عليها، فتركيا غزت العراق اقتصاديا «حجم تبادلها التجاري مع إقليم كردستان سيصل في عام 2014 إلى (20) مليار دولار بحسب المسؤولين الأكراد وخبراء الاستثمار، وهذا المبلغ ضخم جدا، خاصة إذا عرفنا أن حجم تجارة «تركيا» مع سورية(قبل الانتفاضة الجماهيرية) لم يبلغ ربع هذا الرقم على مدى عشرات السنين»، وإيران غزت العراق سياسيا، وتجاريا أيضا، فبالإضافة إلى سفارتها في بغداد، توجد لها قنصلية فاعلة في»أربيل» «عاصمة إقليم كردستان العراق»
والسؤال المطروح؛ أين الوجود السياسي والتجاري الخليجي وبالذات «السعودي» من كل هذا؟ فمن بين آلاف الشركات التجارية العاملة في العراق لا يوجد تمثيل خليجي يمكن أن يعتد به، وكذلك من بين أكثر من (20) قنصلية أجنبية وعربية موجودة في أربيل لا توجد قنصلية واحدة تابعة لدول الخليج باستثناء قنصلية الإمارات العربية المتحدة التي افتتحت مؤخرا، وهذا تقصير سياسي لا يمكن تبريره
على دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص، أن تبادر إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية والتجارية في العراق، وتنفتح على جميع القوى العراقية المناهضة لسياسة رئيس الوزراء «المالكي» الطائفية، لتجد لها موطئ قدم في بلد يعد من أهم وأغنى بلدان المنطقة
دور الخليج الغائب في العراق
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
