في مثل هذه الأيام من كل عام تقوم الدولة ممثلة في وزارتي الداخلية والمالية بإيفاد فرق ولجان (عوامل جباية زكاة بهيمة الأنعام) على مستوى المملكة، موضحة في بيانها أن ذلك يتعلق بشعيرة الزكاة التي أمر الله بها، في حين كثر الحديث عن تأخر الدولة في إقرار جباية الزكاة على العقار مع أنه الأهم والأكثر عائدا.
وحيث إن التقارير تفيد أن 94 % من المنح لم تستغل حتى تاريخه منذ 35 عاماً، وأن 73 % من أراضي مدينة الرياض لا زالت بيضاء، وأن الأُجور تمثل أعلى مصادر التضخم بـ 73 % خلال سبع سنوات حيث ارتفعت 100 % تقريباَ خلال سنوات قليلة.
وقد فرض الله الزكاة (الركن الثالث في الإسلام) على الأصول والأموال والزروع والثمار والمواشي وما يخرج من البحر وباطن الأرض متى ما أصبحت عروض تجارة. و فيها ربع العشر؟
تحصيل الزكاة الشرعية والرسوم النظامية لماذا اقتصر على الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية منها والخدمية؟ ولم لم يشمل الأنشطة العقارية؟ وقد أصبح العقار مجالاً للاحتكار وعبئاً على تكاليف المعيشة والإنتاج؟ وتعطيلاً لبعض المرافق والخدمات واستنزافاً لموارد الدولة ودخل المواطن وسبباً في ارتفاع الأجور والأسعار ومضيعة للادخار وإعاقة لمشاريع الاستثمار؟ ومصدر ضرر بيئي وأذى لما يزيد على 70 % من مواطن ومقيم؟
ولا شك في أن في تحصيل الزكاة وفرض الرسوم حافزا للإسراع لفك احتكار العقار والتخفيف من أزمته وأضراره، وهو ما يطرح السؤال: أيهما أولى بجباية الزكاة، أنعام في الصحراء أم عقار في المدن!؟ في ظل أزمة شكلت عبئاً على الدولة حدت من انتعاش اقتصاد الوطن، وألحقت الضرر بالسواد الأعظم من المواطنين؟
العقار أرضاً وبناءً، بيعاً وتأجيراً وتطويراً، نشاط تجاري يزاوله أهل الثراء والموسرون وحتى من هو على رأس العمل الحكومي وزيراً، أو قاضياً أو أميراً. وهو مال لا يطالب بزكاة تدفع ولا برخص تصدر وتجدد برسوم أو غرامات ومضاعفاتها، ولا يتأثر بعوامل الطبيعة، فلا الجفاف ولا الحر ولا الشمس ولا البرد ولا المطر يؤثر عليه، ولا ضمان ولا تأمين ولا خطر من سرقة أو اختلاس، ونادراً ما يمرض العقار وإن مرض لا يموت، حيث الصبر دواؤه ومع الانتظار يتعافى، والمزيد من السنين يرفع الطلب عليه ومع ما لحق المواطن من ضرر جراء الاحتكار فالطير والبهائم أيضا لا تستفيد غذاءً ولا ظلاً بينما الخدمات والسلع تتعرض دائما للتلف والكساد.
ومن العقار ما آل بالمنح (هبة) لغير حاجة، وحرم منه ذوو الحاجة، أو بالإقطاع دون جهد بدني أو مخاطرة مادية، ومنه ما تم احتكاره لسنوات فتضاعفت أثمانه بتقادم الزمن وقد لا يظهر المالك ولا المشتري، حيث البيع والشراء يتمان عن طريق وسيط، ثمنه يحصل بالتوثيق المأمون نقداً أو بشيك مصرفي قبل إتمام البيع، ومنه ما آل بوضع اليد والتعدي وما دخلت فيه المحسوبية والرشاوى وتزوير المستندات والصكوك التي انتهت بالتمليك.
ومن العقار واحتكاره وتعطيله ما بقي (دولة بين الأغنياء) ومنه ما هو شبيه بالغنم وركاز الجاهلية وكنز الذهب والفضة وقد توعد الله كانزيها.
ومن المحتكرين من أشغل أجهزة الدولة في عدد من القضايا، و منهم من لاقى ربه بعد أن ورّث العقار لمن لم يحسن استغلاله، والمال لمن أساء استخدامه متحملاً وزره، فيكون الوارث سبباً في الإضرار بأسرته ومجتمعه بل بوطنه وأمته. الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة والمقاولات والخدمات؛ جميعها نشاطات تخدم مختلف شرائح المجتمع على مدار الساعة. وفيها توظيف ومصدر رزق وتقديم خدمات لملايين المواطنين والوافدين، وقيمة مضافة لاقتصاد الوطن، وفيها من المخاطرة برأس المال وتأثرها بارتفاع قيم الأراضي وإيجاراتها وزياداتها وظروف السوق كعامل العرض والطلب والتسويق والجودة والمنافسة والإغراق، وما قد يحتاج إلى تخزين وصيانة وحراسة وتأمين وكهرباء وماء واتصالات ومعدات والتزام بساعات عمل وإغلاق، وعمالة وشراء تأشيرات، وتأمين صحي وتقاعدي وأخطار مهنية، إلى غير ذلك.
مشاريع شباب وأسر منتجة ومنشآت صغيرة، وغيرهم من أصحاب المهن والحرف التي تتأثر بالطبيعة وأجوائها وتغير مناخها وتتعرض لأخطار متنوعة، ويخاطرون برساميلهم وقد يكون الفشل حليفهم ومعه الإفلاس والسجن، هؤلاء جميعهم ملزمون بالحصول على تراخيص وملتزمون بدفع الزكاة والرسوم والغرامات، ومع ذلك فهم يُحمّلون ما لا يحتمل من دفع المزيد من الرسوم والغرامات ومضاعفاتها.
أما محتكروا العقار جالبوا الضرر والأذى للمواطن والمقيم ممن استولوا على أراضي الدولة وغيرها بمساحات تصل إلى الكيلو مترات وقيمتها بالمليارات، و(أروقة المحاكم وسجلاتها خير شاهد على ذلك)؛ أسهم هؤلاء في إعاقة التنمية، وترعرعت على أيديهم معضلة الإسكان، واتسع شرخ البطالة، وبرزت الجريمة، وارتفعت حدة النقد والعتب واللوم والحرج على المسؤولين في الدولة، وها هم يكافؤون، فلا يسألون عن زكاة ولا رسوم!
فأي الفريقين أولى بجباية الزكاة وأحق بالإعفاء من الرسوم حيث صلاح البلاد والعباد؟ وإلى متى الأمر باق على هذا الحال؟ فالوضع لا يخدم المصلحة الوطنية، إذ ليس من العدل والإنصاف إعفاء هؤلاء وإلزام أولئك.
محتكرو العقار في بلادنا يغنمون وغيرهم يغرمون
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
