عندما شنت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هجومها المذهل في شمال العراق في يونيو، قامت بهدم ساتر ترابي على الحدود بين العراق وسوريا. تنظيم داعش كتب على تويتر أنه حطم اتفاقية سايكس- بيكو. تلك اللعبة كان لها تأثير عجيب، حيث إنها أعادت النقاش حول الاتفاقية البريطانية - الفرنسية السرية التي وقعها البلدان في 1916 وقامت بتقسيم المناطق العربية التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية المنهارة إلى دول مستقلة.
أعلن البعض أن اتفاقية سايكس - بيكو ماتت؛ وقال آخرون إنها أساس الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط. فيما تترنح سوريا والعراق على حافة الانهيار والتقسيم، فإن التركيز على الحدود المصطنعة التي وضعتها اتفاقية سايكس – بيكو له بريق خاص. فهو يقدم تفسيرا مبسطا للاضطرابات الطائفية غير العادية. إذا بدا الناس مصرين على قتل بعضهم بعضا لأن القوى الاستعمارية وضعت جماعات جاليات عرقية ودينية مع بعضها بشكل اصطناعي غير حكيم، أليس من الأفضل لهم أن ينفصلوا؟
التركيز على اتفاقية سايكس – بيكو يخفي التدخلات الأجنبية الأخيرة، خاصة الغزو الأمريكي للعراق في 2003، والذي أطاح بنظام صدام حسين وحزب البعث وأشعل صراعا طائفيا على السلطة. هذا التركيز يجعل الأخطاء في العراق تبدو وكأنها لم تُرتكب منذ عقد من الزمن، ولكن قبل ولادة أي شخص في إدارة جورج بوش. ومع ذلك، مع أن النقاش حول الاستعمار الأوروبي قد يكون قضية تستحق الجدل، إلا أن إلقاء اللوم في الأحداث الحالية على الحدود الاستعمارية أمر مضلل.
صحيح أن الحدود التي صممها كل من الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو، اللذين قسما المناطق العربية إلى مناطق نفوذ، كانت تعنى بالمصالح الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى أكثر من عنايتها بمصالح الشعوب العربية. الاتفاقية ناقضت أيضا وعدا بريطانيا للعرب وأعلنت عن بداية فترة استعمارية لم يتخلص العالم العربي من إرثها حتى الآن.
لكن الشرق الأوسط ليس المنطقة الوحيدة في العالم التي فيها حدود وضعتها قوى استعمارية. كما أن المجتمعات العربية لم تتمرد مؤخرا على الحدود التي وضعها الثنائي البريطاني – الفرنسي.
يقول ريدر فيسر، وهو مؤرخ مختص في شؤون العراق، إن حدود سايكس- بيكو ليست اصطناعية إلى الدرجة التي يظنها البعض. هذه الحدود تتجاوب إلى حد كبير مع ترتيبات إدارية كانت موجودة خلال الحكم العثماني لفترة طويلة. سوريا والعراق كانتا كيانين جغرافيين معروفين قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية. تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي، كان الاحتجاج الرئيسي على الحدود على تقسيم سوريا الكبرى إلى عدة دول صغيرة، حيث تم ضم جزء منها إلى لبنان. الكيانات المنفصلة لم تستمر فترة طويلة، حيث انضمت إلى دمشق في دولة سورية مستقلة. إلقاء اللوم على اتفاقية سايكس – بيكو يتجاهل حقيقة أن القوميات المناطقية مرسخة بعمق في الدول العربية اليوم، بالرغم من الاندلاع المتكرر للصراعات الطائفية.
باستثناء الأكراد العراقيين، الذين عزز تاريخهم في التعرض للاضطهاد التصاقهم بهويتهم العرقية، قليلون من السوريين والعراقيين واللبنانيين يريدون الانقسام. في العقود الأولى بعد رحيل الاستعمار، كانت القومية العربية التي تجاوزت الحدود إيديولوجية مهيمنة. لكن الهزائم المتكررة أمام إسرائيل أضرت بالدعوات القومية، الأمر الذي دفع بالدول إلى الالتزام أكثر بحدودها الوطنية.
لنأخذ حالة لبنان خلال الحرب الأهلية في الفترة التي استمرت بين 1975 إلى 1990. تم طرح قضية التقسيم عدة مرات كحل للأزمة، لكن الصراع انتهى باتفاقية جديدة لتقاسم السلطات حافظت على وحدة أراضي البلد. في السنوات الأخيرة للحرب، كانت معظم أعمال العنف بين جماعات متنافسة داخل كل من المجتمعات الرئيسية (المسيحيين، المسلمين السنة، المسلمين الشيعة). السنة في العراق وسوريا قد ينتهي بهم الأمر في مقاطعات منفصلة، على الأقل لفترة من الوقت. لكن تمردهم لا يهدف إلى التقسيم. المعارك التي يخوضونها ليست على المناطق ولكن على السيطرة على الدولة.
إن التأكيد على دور اتفاقية سايكس – بيكو في الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط حاليا يجعلنا نتيه عن المشكلة الحقيقية في المنطقة: الفشل المأساوي للحكومات المتوالية التي جاءت في فترة ما بعد رحيل الاستعمار في بناء دول شاملة تعزز الهوية الوطنية بدلا من الهويات العرقية والطائفية والدينية. طغيان عائلة الأسد في سوريا، والنظام الدكتاتوري لصدام حسين في العراق، وعدم كفاءة رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي، هي التي دفعت منطقة الشرق الأوسط إلى الكارثة، وليس الحدود التي رسمها الاستعمار في الرمال منذ قرن من الزمن.