منذ اللحظة الأولى لقراءة رواية البامبو يدخل القارئ في خضم الأحداث المتسارعة التي لا تنتهي، مما يضعف مساحات الوصف. السارد ينزلق في وصف صادر عن عين ليست محليّة، إذ لم يستطع التخلص من العين الأجنبيّة في كثير من المواطن، كما تختفي العين النموذجية في الوصف.

الحكاية

تحكي ساق البامبو قصة بؤس من يقعون ضحية وجودهم لأبوين من عرقَين مختلفين، وزاد من ذلك البؤس أنّ الأم كانت خادمة فلبينية عند أسرة أبيه الكويتية، وقرر الأب ـ ابن هذه الأسرة ـ أن يتزوجها في السرّ، وبعد أن علمت أسرته اعترضت سيدة البيت، وحالت دون بقاء الخادمة الحامل في هذا البيت العريق، بيت الطاروف، مما حدا بالخادمة إلى أن تعود إلى بلدها وتلد، ويتربى ذلك الصبي «هوزيه، أو عيسى» هناك، ليعود بعد أن بلغ رشده إلى الكويت بعد موت أبيه بمدّة، فيكتشف الفوارق الكبيرة بين ثقافتين: ثقافته التي نشأ وتربى عليها، وثقافة أهله الذين يمكث لديهم، ويقرّر في نهاية الأمر أن يعود إلى الفلبين التي يشعر أنه جزء منها.

العنوان

«ساق البامبو» هو المعروف لدينا بالخيزران، أو نوع من أنواعه، وقد عُرِف أنه من الأعشاب التي تنمو بسرعة كبيرة، لكنّه لا يستطيع النمو تحت أشعة الشمس.
ولعل الكاتب حينما اختاره هدف إلى الإشارة نحو استحالة عيش عيسى في بيئة خارج بيئته التي ترعرع فيها، حتى حينما يجد في البيئة الجديدة (الكويت) ما يذكّره بحياته في الفلبين وهو الخيزران المستَنْبَت فإنه يحب المكان، لكنّه لا يلبث أن ينكمش خوفا من أن يتلف شيئا دون قصد «أحببت المكان رغم انكماشي في جلستي خوفا من أن أتلف شيئا دون قصد.
الوجه الفلبيني الذي استقبلنا عند الباب، وسيقان البامبو في المزهريات المنتشرة في صالون المنزل، بثوا في داخلي شعورا بالألفة، وإن بدا البامبو في غير محلّه في تلك المزهريات الفاخرة، مثلي تماما في بيت الطاروف» (217).

الحدث

من يقرأ الرواية سيجد أن الكاتب صبّ جلّ جهده في الأحداث وفي سيرورة الحكاية، فمنذ أن تبدأ في قراءتها إلى أن تنتهي، وأنت في خضمّ الأحداث المتسارعة التي لا تنتهي، وقلّما اتجه الكاتب إلى الوصف، وهذا جعل الرواية تزدحم بالأحداث إلى درجة كبيرة جدا، حتى حينما يرغب في وصف موقف ما، أو عادة من العادات، سواء كانت في الكويت أو في الفلبين، فإنه يأتي بهذا الأمر في هيئة حدث، فمثلا حين أراد أن يصف الطبيعة في الفلبين اختار أن يذهب عيسى مع ابنة خالته ميرلا إلى مناطق سياحية، لكي يصف الطبيعة.

اللغة

كتبت في شكل مذكّرات بلغة « التغالو»، وترجمها أحد الذين التقى بهم في الكويت والذي يتقن كلتا اللغتين، وهذا الأمر لا يشعر به القارئ فور قراءته الرواية، بل ينجلي له بعد أن ينهي قراءتها، وهو ما عمل عليه الكاتب منذ الصفحات الأولى قبل بداية الحكاية، حينما وضع اسم الكاتب في الغلاف الداخليّ بعد البيانات البيبلوجرافية «هوزيه ميندوزا» ووضع اسم المترجم (إبراهيم سلام) ثم أضاف اسم المدقق (خولة راشد).
فهوزيه ميندوزا هو البطل، وإبراهيم سلام شخصية إسلامية التقاها هوزيه ميندوزا في المسجد، حينما كان هوزيه ميندوزا يحاول الولوج إلى الدين الإسلامي مسلما، أمّا خولة راشد فهي أخته من أبيه.

الوصف

1- اهتمام الكاتب بإيراد ما له علاقة بالحياة الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية في الفلبين جعله ينزلق في وصف صادر عن عين ليست محليّة، فهو من أبناء الفلبين، لكنّه حينما يصف فإنه يصف بعين تنظر من خارج بيئتها، فمثلا يصف رحلته مع ميرلا بالتكلفة اليسيرة، وكأنه سائح ينظر إلى هذا الأمر «كنا نحصل في رحلاتنا تلك على سعادة مجانية كما تقول ميرلا، ننفق مبلغا رمزيا من المال لوسائل النقل وحسب» (111).

2- لم يستطع التخلص من العين الأجنبيّة في الحديث عن النظام الإداري العمّالي في الفلبين حين أراد أن يتحدث عن مأزق عيسى في عمله في مانيلا فيورد جزءا يبدو أنه منقول من نص النظام، مما يشعرك أنك تقرأ في كتاب من كتب القانون، إذ يقول «يجبر القانون في الفلبين أصحاب العمل على صرف مكافأة نهاية خدمة الموظف إذا ما تم إنهاء خدماته بعد مرور ستة أشهر له في العمل» (148).

3- في حين أنه لم يستطع التخلص من كونه كاتبا كويتيا، فيصف الكويت بوصف ابن البلد مستخدما مصطلحات غارقة في الخصوصية، نحو قوله «تزوج أبي في منتصف العام 1990 من إيمان، لم يستمر معها طويلا بسبب وقوعه في أسر قوات الاحتلال» (212)، ويعني بالاحتلال هنا القوات العراقية، ومعروف أنه لم يطلق هذه الصفة على القوات العراقية إلا أبناء الكويت.

4- تختفي العين النموذجية في الوصف. فحين أراد أن يكون فلبينيا في الفلبين عجز عن ذلك، وحينما أراد أن يكون فلبينيا في الكويت أبت طبيعته إلا أن يكون كويتيا يتقمص رؤية غريب.
وفي واقع الرواية يعدّ السبب الأول لعودته إلى الفلبين أنه لم يستطع التأقلم مع بلده الأساس، بل حتى أسرته لم تستطع أن تعترف به، فكأن أحداث الرواية أقوى من سيطرة الكاتب على نصها، فظهر ذلك في فلتات خطابها، وكأنها عكست هذا الضياع عليه، مما جعل هوزيه يعجز عن وصف خصوصيات المجتمعين بالعين النموذجية.