(1)
فارس جديد يعتلي صهوة المؤسسة التعليمية التي طالما انتظرت الفارس الحقيقي الذي يرحل بها إلى آفاق التعليم الخالص، بعد أن كان الفرسان السابقون يقاربون حمى تلك الآفاق، يريدون أن يقعوا فيها، وليسوا بواقعين..
يجيء د.عزام الدخيل برشاقة طائر أليف يحمل التباشير، وتكاد ترى في ملامحه كثيرا من الأمل، وفي كلماته مديدا من وعود الوفاء لرجال التعليم المستحقين في الميدان، من المعلمين الذين كاد اليأس من إنصافهم وتقديرهم يفتك بهم، فلا يجدون سبيلا سوى الهروب!
(2)
حقا، فإن الوزير الجديد قد لامس (الغائبة)، وهو يجعل استحقاقات المعلم في الدرجة الأولى من سلم أهدافه الحاسمة، لأنه محور العملية التعليمية برمتها، فعن طريقه وحده تتحقق الأهداف والغايات التعليمية والتربوية، ومع ذلك فقد كانت معاناته بحجم غاياته الوظيفية الكبرى، فالمعلم يبدأ مشواره الوظيفي ولا يجد (مكتبا) يضع فيه أدواته البائسة، أو(مقعدا) يلملم تعبه بين الفصول الدراسية، ولا تزال طائفة كبرى من المعلمين محرومة من درجاتهم الوظيفية المستحقة، كما هم جميعا محرومون من التأمينات الطبية والامتيازات السكنية والنوادي الترفيهية والمراكز الثقافية الحقيقية.
ومن جهة أخرى، فالمعلم في أحايين كثيرة يقع ضحية لعشوائية الإدارات التعليمية والمراكز الإشرافية، فربما ظل في مدرسة ما شهرا أو شهرين، يعمل وفق برنامج محدد وجدول دراسي منسجم بضرورة الاعتياد الزمني مع إمكاناته، فيفاجأ باتصال شفهي يأمره بالانتقال إلى مدرسة أخرى يبدأ بها ترتيب أوراقه من جديد، بل وترتيبات حياته الخاصة (كلها)، من سكنه ومدارس أبنائه. وفي بعض الحالات كان يطلب من المعلمين (تكميل) نصابهم من الحصص الدراسية في مدرسة أخرى، لا تجاور مدرستهم الأولى، كما أن من الممكن - طبعا - أن تكون تلك المدرسة الأخرى من المدارس المسائية، فيتحتم على المعلم- بذلك العبث الإداري- أن يعمل صباحا ومساء، من غير حول له ولا قوة!! ليفتقد المعلمون- بذلك المشهد الكائد - الأمان والاستقرار المهمين لعطاءات مؤثرة ومنتجة، بل فإنه مع مرور الوقت وتراكم تلك الضغوطات والقرارات المتسلطة يفقد المعلمون الثقة بشخصياتهم، وبالتالي لن يكون بالإمكان ترقب غايات متحققة، ومخرجات فاعلة من أشخاص لا يثقون بذواتهم، ولا يهتمون بحجم (مكانتهم) بين أفراد مجتمعاتهم.
أما أكثر الشواهد التي تصيب المعلم لدينا بالإحباط التام فهي أن يجد ذو الخبرة والكفاءة أنه لا يتميز بشيء على الإطلاق مع المعلم الناشئ أو صاحب الإمكانات (الضعيفة)، إذ إن الجميع على السواء يتساوون في عدد الحصص الدراسية و(التكاليف) الوظيفية والحوافز المادية والمعنوية..على السواء!!
(3)
وفي الجانب المقابل، فإن من الإنصاف والموضوعية أن تتجه تلك (الحقوق) المنتظرة إلى معلمين (حقيقيين) يمتلكون الكفاءة العلمية والأدوات المناسبة للتعليم والتربية، إذ (يجب) أن يخلو الميدان من نوعين من المعلمين (حتى تذهب تلك الامتيازات المنشودة لمستحقيها الحقيقيين). النوع الأول يتمثل في المعلمين المجردين من القدرات العلمية والتعليمية، والذين اقتحموا الميدان من أبواب الصدفة والمجاملة. أما النوع الثاني فهم المعلمون (المؤدلجون) بأفكار التطرف الديني، المولعون بتصنيف أطياف المجتمع المختلفين (معهم)، إلى ليبراليين وعلمانيين وحداثيين، من غير وعي معرفي حقيقي بتلك المصطلحات، للدرجة التي تجعل الطالب يتخيل أن الدين الإسلامي العظيم يقف في مواجهة (ضدية) أبدا مع (كافة) الشواهد العلمية، والاتجاهات الحديثة، والممارسات الجمالية، فتتجه تلك التصنيفات الإقصائية إلى أكاديميين ومثقفين وإعلاميين من بني جلدتنا، لتكون النتيجة هي إثارة الفتن والعداوات التي تصيب وحدة المجتمع واستقراره في مقتل لا حراك بعده نحو مسالك العلم والمعرفة والآداب المتنوعة. إذ إن الميدان التعليمي يفصح عن معلمين يعارضون أمام تلامذتهم الممارسات الوطنية، بدءا من (نشيد الوطن) في الصباحات الباكرة، وإلى الاحتفاء بالوطن في الأمسيات المتعلقة (بأيام الوطن)، و(يجرمون) كل ممارسة مشروعة للفن والأدب والجمال، و(يختصرون) الدين الجليل في قضايا هامشية، يرتفعون بها إلى خانة الثوابت القطعية في الأحكام الشرعية، ليصبح (التدين) ظاهرة شكلية، وتقديسا عجيبا لأسماء محددة، لا تجب مخالفة (جميع) أقوالها وآرائها، في تجن صارخ لسماحة الدين القويم وغاياته السامية، التي جعلت الإمام مالك، رحمه الله، يقول في لحظة إيمانية خالصة «كل يؤخذ منه ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، قاصدا رسول الأمة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.
(4)
إذا.. فالمعلمون يستحقون حقا من (وزيرنا الجديد) الخير كله، باعتبارهم الخطوة الأولى والحاسمة لنقلة نوعية تاريخية في المؤسسة التعليمية المنتظرة..المعلمون (جميعهم) ماعدا معلم (فارغ) وآخر(مؤدلج) بالتطرف والإقصاء والريبة!