بحلول الذكرى الرمضانية الرابعة على رحيل الرمز الضخم/ غازي القصيبي تتلاطم ذكريات الأستاذ محظوظ عنه فيقول: «إنه فنار الحداثة والتنوير، وثاني أبرز شخصية سعودية ـ بعد علَّامة الجزيرة/ حمد الجاسر ـ توضع على قائمة الخارجين عن المِلَّة من قبل الفكر المتشدد»!
ولهذا كان من التهم الموجَّهة إليَّ أنني أهتم كثيراً بتدريس شعره المقرر في مادة النصوص! وتقرير شعره رسمياً كان (تَقِيَّةً) من (الإخوان) لنفي تهمة الإقصاء عنهم، أما في الواقع فيوجب (المنهج الخفي) أن يهمل ولا يكلف الطلاب بحفظه ولا يسألون عنه في الامتحانات!
ومن ناحية أخرى فإن ممَّا دفعني لوصف نفسي بالمحظوظ هو ما رواه لي أستاذي البلدوزر (قينان الزمان والمكان والزمكان والمكزان) من وقفة الدكتور غازي معي قبل أن يعرفني ويرسل لي بخط يده الجميل إعجابه بصمودي!
والقصيبي ما غيره هو من يجعلني أسخر من صمودي هذا وأحتقر ضعفي وانهزامي؛ حيث قرأتُ له في السجن قصيدته الشهيرة التي منها:
فإن مضيتُ فقولي لم يكن بطلاً * لكنَّه لم يُقبِّل جبهةَ العارِ!
فتذكرت كيف سعيت جهدي لتقبيل (جبهة العارِ) التي كان يحملها مسؤول كبير في القضاء، راجياً منه أن ينقض الحكم الصادر بسجني ثلاث سنواتٍ وجلدي ثلاثمئة جلدة وإبعادي عن التعليم والإعلام ومنابر التوجيه!
أنا من طلب الاحتكام إلى القضاء لمعرفتي بأن الشرع الحنيف يحفظ عرض الإنسان ضمن الضرورات الخمس، ولكن المحاكمة (المؤدلجة) طالت واستطالت، وورائي أسرة لها حقٌّ علي لم أفِ به إلى اليوم!
كنتُ هارباً بأسرتي في جدة، وجبهة العار تصيِّف في الطائف، صليت الفجر في المسجد الحرام، ومضيتُ وحيداً لألتقي (الواسطة)، وفي الطريق انتابتني حالة مفاجئة وغريبة، فلم يكن من عادتي البكاء بصوتٍ مرتفع، وإذا بي أدخل في (جعيرٍ) لم يهدأ (وأقسم لكم على ذلك) إلا ونظري يقع على لوحة تقول: بلدية (الجُعْرانة) تتمنى لكم سفراً سعيداً!!