هل نحن الآن في المملكة أكثر محافظة على الآثار واهتماماً بها منا في الماضي؟! هل كان جديداً أن يقر مجلس الوزراء مؤخراً نظام الآثار والمتاحف الذي يتضمن عقوبات على «كل من يتعدى على أثر أو موقع تراث عمراني» بالسجن والغرامة؟! أفلم يسبقه نظام عقوبات للحفاظ على الآثار؟! وإذا لم يكن هناك عقوبات تنتظر من يتعدى على الآثار ومواقع التراث العمراني سابقاً، فكم بقي سليماً من هذه الآثار والمباني القديمة لم تمسسه يد المتعدين وتجار العقار؟! أما إذا كان هناك نظام عقوبات في هذا الشأن، فهل يتضمن النظام الجديد من الشدة والإحكام والشمول ما لم يتضمنه السابق؟! أم هو يجدد الوعي ويعلن سلطة جديدة في ضوء تولي الهيئة العامة للسياحة والآثار الإشراف على هذه الشؤون؟!
إن الاهتمام بالآثار والعمران القديم -لحسن الحظ - ليس جديداً في المملكة، وقد كان المعتدي على أي أثر أو بناء قديم عرضة للعقوبة. وأنا هنا أقدم شهادة على ذلك شديدة التمثل في ذاكرتي، وهي «حصن الطمامة» في منطقة الباحة؛ فقد نال أحد القرويين البسطاء عقوبة السجن قبل حوالي أربعين عاماً، لأنه شرع في إسقاط بعض حجارة الحصن، وبقي الحصن بعد ذلك ماثلاً لم يجرؤ أحد على إزالته، حتى شرعت أمانة المنطقة -منذ خمسة أعوام- في إقامة مبناها الزجاجي ذي الستة أدوار، فاقتلعت حصن الطمامة وما يحيط به من مبان. وبدا للعموم أن جهة حكومية مسؤولة عن الأراضي والعمران فوق أن تساءل عن اقتلاع مبنى تاريخي قديم، أو أن يسمى استيلاؤها على مكانه وهدمها له تعدياً أو عدواناً.
إن «حصن الطمامة» الذي لم يعد لاسمه ولا لأثره وجود، شبيه بغيره من الحصون والمباني التي يوشك تاريخها أن يكون تاريخ سكنى الإنسان في المكان. وقد لا يبدو في التاريخ المدون كبير أهمية لمثل هذه المباني، ولكن ذلك ينبغي أن يعني لدينا مزيداً من الأهمية لا مزيداً من الإهمال، فكم يبقى التاريخ في حاجة إلى الحفر والكشف والتعلم! ولقد لفتني منذ وعيت نظام التسمية الذي يندرج فيه مع الحصون القريبة منه، وكأنها نسبة إلى أسماء شخصيات مؤنثة (أو أحوال ومعان): «حصن كافلة» و»حصن حجرية»، أو إلى شخصيات ذكورية «حصن الجنزي». كما لفتني منذ الصغر الحكايات العجائبية المتعددة التي تتخذ من باحات الحصون وأبنيتها المهجورة مكاناً لها. ومن ذلك الحديث المنقول عن أحد كبار القرية كان سارياً بين حصني: الطمامة والجنزي، فإذا هو يسمع دندنة طبل وغناء على لون «اللعب» المعروف محلياً، والشاعر في الطمامة يبدع وآخر في الجنزي يرد عليه بقصيدة ذات نبوءة على تقلب الزمن والمخاوف من ترديه. وحكاية أخرى عن كلب كان يفتقده صاحبه بعد أن تهجع الغنم في الحظيرة، وحين تبعه ذات ليلة، كانت المفاجأة أنه يتحول إلى رجل ويغدو شاعراً في ساحة الحصن، ويتلو أبياتاً محفوظة في الذاكرة الشعبية!
لا شك -إذن- أن النظام الجديد لحماية الآثار، يواجه -أول ما يواجه- مرحلة اختبار في مراجعة الآثار التي تم التعدي عليها، وستكون الهيئة العليا -إن شاء الله - في مستوى الجدية والصرامة.
حصن الطمامة!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
