قال لها: أنت «غيورة».. تبحثين عن رجل «ملاك»، والملائكة لا يمشون على الأرض ولا يتزوجون..أنا لست ملاكا ولا شيطانًا..
أعرف أن فيك أشياء كثيرة قيمة وراقية، لكنني أخاف أن تعصفي بـ»جنتنا» فتتوقف سواقيها، وتجف أنهارها، وتصبح أشجارها حطامًا لا يصلح إلا وقودًا لـ»الكوانين» والمدافئ!
أنا إنسان هادئ مستقر..
صحيح أنني أحلم وأتطلع وآمل، لكن لن ألقي بنفسي ـ ولا بغيري ـ في أتون جحيم الغيرة، ثم أتأملك ـ يا سيدتي ـ وقد خربتها وقعدتي على تلها، تندبين حظك وتبحثين عن آخر الرجال المحترمين!
ما أكثر (المتزوجين) حين نعدهم، ولكن ما هي نسبة السعداء منهم؟.. من قضى نحبه منهم ومن ينتظر.. «تستطيعين يا فوزية أن تشكلي من عجينة «السمبوسة» أو الصلصال دمية لعريس على هواك، لكنه لن يكون إنسانًا من لحم ودم»..
قالتها، وهي تنظر بحميمية إلى ألعاب الصغر التي لا تزال تحتفظ بها من أربعة عقود، كل عقد ينطح عقدا..نظرت إلى صورة لها ـ بالأبيض والأسود ـ مع طوق (الهيلاهوب) الذي كانت تخطر به فوق السطوح، دون أن يسقط عن خصرها، أو أمام باب بيتهم إلى دكان عم «عبدالباقي»، تتجنب بمهارة - فوق العادة - الاصطدام ببيّاع «الدندرمة» أو «مصلّح دافور القاز» أو السقايين..
حينما نكبر نكسب أشياء يفرح بها الآخرون..ونخسر أشياء أخرى، يستحيل أن نستعيدها إلا في الذاكرة..
كان ذلك أيام «البازان» والبراميل التي تجرها الحمير.. قبل أن تجري المياه في شرايين (المواسير).. وقبل أن تمخر (الوايتات) عباب زحمة الناس الذين طفحت بهم الشوارع!