يتأتئ، يتلعثم، يتبول لا إراديا، يقضم أظافره، يخرب ألعابه بوحشية، يرسم وحوشاً وغرفاً مليئة بقضبان، يستيقظ من نومه مراراً! هل تعتبرين كأم أو تعتبر كأب أن هذه إشارات عادية تحدث مع أي طفل وتنتهي مع الوقت وسوف لن تترك أثراً؟
إن كان أحدكما أو كلاكما يعتقد ذلك فهو مخطئ تماماً، ولا أتحدث بصفة مختص إنما مجرد ملاحظ لما يحدث.
نستطيع أن نلاحظ ما يحدث مع طفلنا الصغير حتى وإن كان لم يبدأ الحديث بعد، نستطيع أن نحترم عقليته وكيانه ولا نتعامل معه على أننا نقدم له خدمات فقط من طعام وملبس ومسكن.
هو ثروتنا وقد تضيع من أيدينا إن لم نحسن التعامل معها وبعمق وليس بسطحية تبعدنا عن جوهر ما يدور داخل هذا الكائن الصغير جسداً وعمراً، الكبير روحاً وإدراكاً، هذا الإدراك الذي لن نصدق أنه قد يستكشف به ما حوله بذكاء.
أن نعنفه بقسوة ولا نتفهم ما يدور برأسه ولا حتى نحاول، لأنه لا وقت لدينا لذلك أو لأي سبب، فهذا لن يساعد في إيجاد نفس سوية تكبر لتكون قوة في مجتمع بحاجة إليها. أن نستهتر بعقليته ونتعامل معه على أنه لا يفهم، فهذا ليس صحيحاً ولو فكرنا قليلاً وبحثنا ولاحظنا ردود فعله لما يحدث كل يوم لأدركنا أننا أمام عقلية حساسة جداً تدرك ما يحدث وإن لم تجد التعبير كما نفعل نحن.
هذه العقلية وهذه النفس «تطبع» كل الأحداث والكلمات التي توجه إليها أو إلى سواها من حولها وتختزنها بداخلها، وقد لا نراها تظهر على الفور وإنما بعد سنوات قد تطول أو تقصر ولكنها ستظهر، وقد تؤذيه هو عندما تظهر أو تؤذي مجتمعه الذي يعيش فيه، وقد يسمح لها بالظهور سريعاً وهو لم يكبر بعد على شكل إشارات تنبه من حوله بالأخص والديه كتلك الإشارات التي ذكرت في البداية.
إذا لم نكن على قدر مسؤولية التعامل مع هذا الكيان الذكي الحساس الرقيق، فالأفضل ألا نأتي به إلى الحياة ونسيء إليه وإلى أنفسنا بقصد أو بدون قصد، ولنفكر: نحن نحرص على قراءة التعليمات عند شرائنا جهازاً جديداً وربما حرصنا على ذلك في كل مرة نشتري جهازاً، وإن كان من نفس الشركة إنما بمواصفات مختلفة، ألا يستحق هذا الابن أن نعرف كثيراً عنه قبل أن نأتي به إلى الحياة ونزج به فيها؟