عادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت وتحديداً إلى فترة ما قبل اعتداءات الـ11 من سبتمبر، عندما كنت طالباً في مدينة «سان دييجو» بولاية «كاليفورنيا» الأمريكية، وكنت أجتهد مع زملائي أبناء الجالية السعودية آنذاك من أجل جمع التبرعات لبناء «جامع» على مرأى ومسمع من الأمريكيين دون خجل أو معوقات تذكر. وكان الشعب الأمريكي يقدر ويساند رغبتنا في امتلاك «مسجد» نمارس فيه شعائرنا الدينية التي يحترمها المجتمع الأمريكي كجزء من تركيبته «الليبرالية» التي تعتبر ممارسة كل شخص لدينه حقا لا مساومة عليه.
جاءت أحداث سبتمبر لتغير المعادلة كلها، ويتوقف زمن جمع التبرعات العشوائية إلى الأبد. وشخصياً لا أعتقد أن هناك حدثاً أساء للإسلام كما أساء له هجوم الـ11 من سبتمبر، الذي كان بمثابة انقلاب في تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب، وفي تاريخ «العمل التطوعي» تحديداً في الخارج وربما في الداخل أيضاً.
وقد حكى لي أحد الزملاء المسلمين الأمريكيين مؤخرا عندما زرت المركز الإسلامي في «سان دييجو» كيف أن التبرع للمسجد لم يعد بالسهولة التي كانت من قبل. فهذا المسجد الكبير الذي بُني وتم تأسيسه بتبرعات الجاليتين السعودية والعربية المسلمة قبل سنوات لم يعد من السهل التبرع له من أجل إفطار «صائم» أو إجراء إصلاحات إلا وفق قواعد صارمة ورقابة دقيقة.
ولا ننكر أن الرقابة على «العمل الخيري» مطلوبة لكي لا يتم استغلاله في تمويل أعمال «إرهابية» أو على الأقل حتى لا تقع أموال «الخير» والتبرعات في أيدي من يعبث بها. ولكن يظل «العمل الخيري» جزءا أساسيا من ديننا الإسلامي الذي تعتبر «الزكاة» من أركانه الخمسة، وتعتبر «الصدقة» من أدوات «الخير» التي يلجأ إليها المسلم للتقرب إلى الله عز وجل ووسيلة تكافل اجتماعي وإنساني لا غنى عنها، لذلك فإن «العمل الخيري» لا بد أن يكون ولا بد أن يستمر وفق ضوابط شرعية وقانونية وتنظيمية داخل الوطن وخارجه.
ومع قدوم شهر رمضان المبارك، وهو شهر الخير والإحسان، أتمنى أن نلجأ جميعاً إلى إعادة التفكير في «مفهوم» العمل الخيري المرتبط لدينا فقط ببناء المساجد وإفطار الصائمين وتقديم الزكوات والصدقات بشكل عشوائي لكل من يقف على باب بيتنا حتى ولو لم يكن محتاجاً، وبطبيعة الحال هذه من الأمور النافعة وإنما الأعمال بالنيات، ولكن لا بد من ابتكار أوجه خير أكثر رحابة وتجديداً والتحري بشكل أكثر دقه، والتفكير في حلول مختلفة مثل الإسكان الخيري وبناء المساكن الصغيرة وتجديد المباني القديمة للمحتاجين وتنظيف الطرقات والحدائق والمتنزهات وبناء معاهد تدريب وتأهيل وتقديم العون للمعاقين والمرضى وبناء المدارس وشراء سيارات للمعوزين وإطلاق سراح مساجين الحقوق المالية وتزويج الشبان والشابات وتقديم التطعيمات والخدمات الصحية وشراء الكتب وطباعتها وغيرها من الحلول الخيرية المتنوعة والمبتكرة، كل هذا وفق ضوابط وتحر دقيق. فالزكاة أو الصدقة التي يتم إهدار أموالها بلا رقابة أو تنظيم أو في وجه خيري غير مبتكر هي بمثابة ضياع لفرصة كان من الممكن الاستفادة منها.
وكل عام وأنتم إلى «عمل الخير» المنظم والقانوني والمبتكر والمختلف أقرب.