جلست في مجلس تطرق جلساؤه إلى صلاة التراويح، ووجدت أن كثيرا من الأمور عن هذه الصلاة ربما تغيب عن البعض، وفي ذات الوقت تناول الحاضرون بعض المعاناة والمقترحات، فكان نتاج ذلك المقام مقالي اليوم، فأقول: إن صلاة التراويح سميت بذلك لأنها صلاة طويلة ذات ركعات عديدة يستريح فيها المُصَلُّون بعد كل أربع ركعات ثم
يتابعون الصلاة، جاء في اللسان: التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة، مثل تسليمة، والترويحة في شهر رمضان سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات. وهذا ليس له وجود اليوم مطلقا (أعني الراحة بعد كل أربع ركعات) مع كونه سنّة.
والتراويح سنّة فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه ثلاث ليال وفي الثالثة أو في الرابعة لم يصل، وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم»، فذكر عليه الصلاة والسلام المانع من الاستمرار فيها، وهو الخوف من أن تفرض، وهذا الخوف زال بوفاته؛ لانقطاع الوحي فأمن من فرضيتها، فلما زالت العلة ثبت زوال المعلول وحينئذ تعود السنيّة.
لكن المضحك المبكي هو حرص كثير من الناس على هذه الصلاة، في حين أنهم يتركون بعض الصلوات المفروضة، وعلى أقل الأحوال يصلونها في بيوتهم، بينما يحرصون أشد الحرص على أداء صلاة التراويح جماعة!
وبالتطرق لعدد الركعات فإن الأفضل هو إحدى عشرة ركعة يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة، لثبوت ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وعن غيرها أيضا. فهذا أصح ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام وهو الوتر بإحدى عشرة ركعة أو بثلاث عشرة، وهذا العدد أرفق بالناس وأكثر عونا للإمام على الخشوع في ركوعه وسجوده، وفي ترتيل القرآن وتدبره، وعدم العجلة، وما ذكر آنفا موافق لرأي الشيخ ابن باز عليه رحمة الله.
وهنا أتمنى العودة لهذه السنة، بحيث تصبح جميع المساجد -ومنها الحرمان الشريفان- تصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، عونا للإمام وأدعى للخشوع وعدم العجلة التي باتت سمة؛ نظرا لكثرة عدد الركعات وانشغال الناس وضعف أجسامهم وتسلط الأمراض المعاصرة على أجسادهم. كما أنه يظهر هذا الدين بصورة أجمل حيث الجميع متفقون في صورة عبادتهم، والعالم الإسلامي بشكل عام يصليها إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، فلماذا نصر على ثلاث وعشرين؟.
أما الأئمة فلهم دور عظيم في الصلاة عموما وفي التراويح خصوصا، إذ يمثلون بوابة كبيرة لحضور القلب والخشوع في الصلاة وتدبر القرآن، فواجب عليهم الاعتناء بجميع الأسباب التي تجعل القلب خاشعا في الصلاة، لأن روح الصلاة ولبها هو في الخشوع فيها، وحين يقترب العبد من حضور قلبه يكون أثر الصلاة عليه واضحا جليا، لكن بعضهم يغلب عليه طابع السرعة في القراءة والصلاة، والإخلال بشيء من الطمأنينة والخشوع، بل ومن الركوع والسجود، ولذا كثر ذهاب البعض لمساجد متعددة طلبا لهذا الخشوع الذي ربما وجدوه في الصوت الندي وجمال التلاوة وحسن الأداء.
وأجدها فرصة للمطالبة بتدوير الأئمة، والاستعانة بالحفظة من جمعيات تحفيظ القرآن، فالناس في حاجة إلى من يؤثر في نفوسهم ويحرك مشاعرهم، فبعض القراء يجري القرآن على لسانه، فيترك أثرا عجيبا في نفوس المأمومين، والجميع بحاجة لمثل هؤلاء، وقد كثر عددهم بفضل الله ثم بانتشار الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن، وبات الاختيار الدقيق هو المحك.
والمساجد يفترض تهيئتها بمكبرات وأجهزة حديثة للصدى، لما لها من تأثير إيجابي على التلاوة، وإعادة النظر في مصليات النساء، بحيث يتم عزلها بما يعرف بكاتم الصوت؛ لكي لا ينزعج المصلون من أصوات الأطفال.
كما أود الإشارة إلى ما يحصل في دعاء القنوت، من تعد وإطالة أحيانا، وهذا كله فيه مشقة على المصلين، وأرجو تخصيص برامج تأهيلية لأئمة التراويح قبل توزيعهم على المساجد، لتوضيح بعض الأخطاء التي ربما تقع أحيانا، وإسداء بعض النصائح والتوجيهات التي من شأنها عدم تنفير المصلين، وقد أخبرني أحدهم أنه صلى التراويح في مسجد وكان سابع سبعة!
وقد طالب عدد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بلديات وأمانات المناطق التي وضعت شاشات عرض لمباريات كأس العالم في الحدائق والميادين العامة، ببث صلاة التراويح من المسجد الحرام والمسجد النبوي عبر هذه الشاشات، وأجد أنه يمثل بابا من أبواب الخير، وقد نقل لي أحدهم أن بعض هذه الشاشات باتت بوابة للدعايات غير اللائقة، وهذا الشهر فرصة للتكفير، وبث صلاة التراويح ضرب من نشر الخير وإفشاء الفضيلة، فهل يفعلون؟
تباريح.. مع أئمة وصلاة التراويح!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
