هل هو فصل من فصول الأزمة الأخلاقية أم أنه مجرد عمل فيه محاولة التزام بثقافة الفساد وتطبيقها مهنيا على أرض الواقع دون اعتبار للنظام، أم أن القضية من أساسها ليست سوى ضرب من سلوكيات احتراف الاحتيال والنصب وقلة الأمانة وغياب الأدب على طريقة الفزعة بالأسلوب المحلي؟ ولفتح شهية من أراد أن يقرع الجرس من أولئك المزايدين على الوطنية وغيرهم من أهل الرأي المعتدلين، يتشكل السؤال بهذه الصيغة - هل في المسألة سابق إصرار وترصد للمجاهرة في التمرد على الثقة وتأصيل ثقافة ليّ ذراع وعنق هيبة النظام لصالح المحسوبية والمنافع الخاصة على حساب تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية بدعم من الإحساس الداخلي الميال للجهوية والقبيلة ضد الانتماء للوطن، أم ماذا؟. في مقابل كل الاستفهامات مهما كانت صياغتها واتجاهاتها سواء الأصلية أو الفرعية لا بد للإجابات المحتملة وقد تورطت في شباك الأسئلة إلا أن تتوقف لتعبئة الأجواء بالاستفزاز المنبثق من الحالة أساسا بصرف النظر عن الطريقة التي تتحرك بها الأسئلة المفروضة بحكم الوقائع المفخخة بالمواجع الوطنية والسلوكية في وجه مرحلة زمنية دقيقة لا تحتمل كل هذه المجازفات البغيضة التي بدأت تكشف عن سوء عورات آثارها المشوهة، في الوقت الذي تفرض المرحلة وتداعياتها سيطرة الحس الوطني تلقائيا على مفاصل كل التعاملات وتطلب مزيدا من صدقية العمل على أقل التقديرات.
قلت ذات مرة ما معناه، إن اختطاف الوظيفة العامة هو الأسوأ وهو الأخطر لما يترتب على عملية الاختطاف من سلبيات ومهددات تتجاوز حدود المخالفات النظامية وذر الملح في عين الرقيب إلى الاعتداء الصريح بقوة سلطة الوظيفة وصلاحياتها على حقوق الناس وغبنهم في وضح النهار على أسس مرتبة تضيع في أخاديدها كل شكوى وتظلم، وفي هذا المنحى تكمن الخطورة استنادا على أكثر من سبب وهنا يطول الحديث ويتعقد.
الخلاصة أن في سياق ما تقدم وقد خلا إلى حد أحسبه معقولا من الدبلوماسية وجنح للمصارحة إلى حد ما، ما يزيد الاستغراب ويصاعد درجات الريبة في الوقت ذاته عطفا على طبيعة الوقائع والشواهد التي تحاصرها على ذمة الفحوصات والتشخيص وأقوال المصدر المطلع وبعض الملاحظات الشخصية، ومن المتوقع أن للبعض تجاربهم الخاصة ومن الظن أنها ليست بقليلة العدد.
عموما، المصيبة تعلن عن نفسها في الخبر التالي وهو منقول عن هذه الصحيفة غرة الشهر المبارك بالاستناد على مصدر مطلع في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان. وفيه أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان رصدت «ملاحظات عدة على مؤسسات بقطاع الخدمة المدنية كان أبرزها تعمد مسؤولين حكوميين حجب معلومات فرص وظيفية حكومية بهدف استغلالها للمحسوبية والعلاقات الشخصية». أيضا في حيثيات الخبر مصائب من فئة المألوف السائد المتفرعن رغم أنف كل الجهات الرقابية مثل استغلال السلطة الوظيفية من قبل بعض المسؤولين لمعاقبة المرؤوسين دون التزام بضوابط واضحة أو اتباع للإجراءات المنظمة للتأديب الإداري، هذا بالإضافة إلى الوقوف على حالات انعدام لتحقيق العدالة بين الموظفين، إلى جانب ذلك ثمة كثير من المعاملات التي مضى عليها سنوات دون البت فيها أو إيجاد حلول مناسبة لأصحابها وأشياء أخرى في ذات المقام.
ختاما، أتمنى على هيئة مكافحة الفساد وحماية النزاهة «نزاهة» أن تواجه الملاحظات التي رصدتها الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وتعلن موقفها للرأي العام بشفافية لأن نتائج الرصد تكشف عن تصاعد عمليات الفساد الإداري المنظم - كما أعتقد، وتكشف أيضا عن مدى ضعف الدور الرقابي رغم كل ما تبذله الدولة من جهود ودعم وهذا في حد ذاته كارثة.
الأقربون أولى بالترقيات والتوظيف، شعب أصيل!
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
