نشرت مجلة “بوليسي مايك” (PolicyMic) وموقعها الالكتروني أخيرا، أشهر الرسوم والصور التي توضح كيف صاغت بريطانيا العظمى الشرق الأوسط الكبير، وصولا إلى التداعيات والآثار السلبية التي يعاني منها معظم سكان المنطقة اليوم من كشمير إلى العراق وسوريا وفلسطين!فمقولة “الإمبراطورية البريطانية التي لا تغرب عنها الشمس” أطلقت في ذروة القوة العسكرية لبريطانيا كأكبر إمبراطورية عرفها التاريخ الحديث، حيث غطت مساحة 13.01 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، أي (ربع مساحة العالم تقريبا) شملت حوالي 458 مليون شخص في عام 1938 من خلال المستعمرات في الخارج: مصادر طبيعية وأراض زراعية ومحميات ومصانع ومراكز تجارية وولايات سيادية.
وعلى الرغم من الإنجازات العديدة التي قامت بها بريطانيا فقد كانت الإمبراطورية الاستعمارية مسؤولة عن زرع الفتن وبذور التوتر العالمي والصراعات والحروب في المنطقة، وكثير منها لا يزال مستمرا في التفاقم حتى اليوم.
وعندما سئل: كيف يمكن أن تساعد بريطانيا في إنهاء الصراع بين باكستان والهند حول كشمير؟ قال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون: شخصيا لا أريد أن تنخرط بريطانيا في مشاكل العالم وأن تلعب دورا قياديا مرة أخرى.. نحن مسؤولون أساسا عما حدث ويحدث في الشرق الأوسط تحديدا.
وتبين الخريطة المنقولة عن “ويكيبيديا “ كل الدول والمناطق التي خضعت للقانون والحكم البريطاني في العالم.
وفي حين أن بريطانيا قد لا تكون مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما حدث في المنطقة، فإن تدخلها خدمة لمصالحها الذاتية والسياسات التي اتبعتها ومنها “سياسة فرق تسد” كانت مدمرة تماما ولا توجد فائدة منها على الإطلاق.
في رأي عدد من المؤرخين أيضا، فإن بريطانيا لا تتحمل وحدها المسؤولية التاريخية عن الكثير من الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث إنه من المستحيل أن نلخص كل تاريخ الشرق الأوسط في عنصر واحد فقط، ونتغافل عن كل التعقيدات والفروق الدقيقة الأخرى، ولكن يبدو أن درس التاريخ الحديث كله موجود وبشكل مكثف في هذه الصور التي ننشرها مجمعة لنعرف كيف وصلت بريطانيا – سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – بالشرق الأوسط إلى هذه الحالة المأساوية!

1- عام 1875.. بداية الطريق إلى الهند

خلال القرن التاسع عشر اعتبرت مصر والسودان مناطق استراتيجية للقوى الاستعمارية من حيث إمكانية السيطرة العالمية والقارية.
وفي عام 1875 اشترت بريطانيا أسهم مصر في” قناة السويس” بنحو (4 ملايين جنيه إسترليني)، مما جعلها أكبر مساهم في هذه الشركة الحيوية، وهو ما أمن لبريطانيا الحفاظ على مسار العبور البحري إلى الهند.
وفي حين استمر هذا العقد حتى عام 1956 فإن هذه الخطوة الاستراتيجية الجبارة كانت بداية سيطرة الإمبراطورية البريطانية على أنحاء مصر سياسة وأرضا.

2- بين عامي 1876 – 1882 .. حماية مصر قبل احتلالها!

قبل عام 1876 حكم مصر الخديوي إسماعيل باشا ، وقد أراد جعلها قطعة من أوروبا، وبلغت ديون مصر نحو 100 مليون جنية إسترليني، مما جعله يرهن قناة السويس لبريطانيا، ونتيجة لذلك اضطر لقبول السيطرة (الأنجلو فرنسية) على الخزانة والجمارك وكاتب البريد والسكك الحديدية والموانئ! وبعد الاضطرابات التي حدثت في الإسكندرية وصعود الحركة القومية المصرية في مواجهة الاستعمار بقيادة الزعيم أحمد عرابي، غزت بريطانيا الإسكندرية واحتلت القوات البريطانية مصر رسميا عام 1882 بما في ذلك العباد والبلاد وقناة السويس.
ويصور هذا الرسم كيف هزم الأسد البريطاني تمساح النيل رمز مصر وسيطر عليه.

3- عام 1915 .. تقسيم الإمبراطورية العثمانية

عقب حرب القوات البحرية البريطانية ضد الجيش التركي – بيومين فقط – وقعت الحكومة البريطانية اتفاقا سريا مع روسيا واشتمل على (تقسيم افتراضي) لأراضي الإمبراطورية العثمانية فيما بينهما كمناطق نفوذ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ووفقا للاتفاق الذي تم توقيعه في 20 مارس عام 1915 فإن مطالب روسيا تضمنت: القسطنطينية والبوسفور والدردنيل وشبه جزيرة جاليبولي وأكثر من نصف القسم الأوروبي من تركيا.
أما بريطانيا فقد طالبت بالمناطق الأخرى من الإمبراطورية العثمانية السابقة ووسط بلاد فارس (إيران) وبلاد ما بين النهرين (العراق) والذي عرف وقتئذ بأنه من أغنى مناطق النفط في العالم.
ويكشف الاتفاق السري عن تغيير في التحالفات خلال الحرب العظمى، فقد حاربت بريطانيا عام 1854 روسيا لمنعها من المطالبة بالقسطنطينية، بل وأرسل رئيس الوزراء” بنيامين دزرائيلي” الأسطول البريطاني في عام 1878 إلى الدردنيل خلال الحرب الروسية - التركية لدفع روسيا بعيدا عن القسطنطينية!

4- 1914 – 1918 الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية

على الرغم من أن محاولة ألمانيا الاستيلاء على أوروبا واحتلال دولها قد توقفت - تأثرت منطقة الشرق الأوسط أيضا بتداعيات هذه الحروب الأوروبية - فإن الإمبراطورية العثمانية – أعظم قوة إسلامية في المنطقة وقتئذ – قد اختارت الوقوف إلى جانب ألمانيا وأعلنت الحرب ضد فرنسا وروسيا وبريطانيا العظمى في نوفمبر عام 1914.
كانت الإمبراطورية العثمانية تمثل تهديدا خطيرا للإمبراطورية البريطانية، ومن ثم تركزت الضربات البريطانية الاستباقية ضد تركيا تحديدا حتى استطاعت أن تسقطها من عرشها، ومع انتهاء الحرب استولت بريطانيا العظمى على أراضي الإمبراطورية العثمانية والتي ستصبح فيما بعد: سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وشرق الأردن.

5- عام 1916 تشجيع الثورة العربية الكبرى

توظيف أكياس الذهب ودبلوماسية لورانس العرب ووعود الاستقلال العربي.. كانت هذه هي عدة وعتاد بريطانيا في حربها الناعمة ضد الأتراك العثمانيين، فقد شجعت الانتفاضات العربية في عام 1916 ضد تركيا والإمبراطورية العثمانية، وهي الانتفاضات المعروفة باسم:” الثورة العربية الكبرى”، ومع ذلك فقد فشل الحلفاء المنتصرون بعد الحرب في منح الاستقلال الكامل للشعوب العربية، وبدلا من ذلك فقد وضعت هذه الشعوب تحت السيطرة البريطانية والفرنسية ( بالقوة) بموجب معاهدة “فرساي”.

6- عام 1916 ترسيم حدود الشرق الأوسط

بعد أكثر من سنة على توقيع الاتفاق السري بين روسيا وبريطانيا العظمى وفرنسا وهي المعاهدة المعروفة بسايكس بيكو.. قسمت معظم أراضي المنطقة العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية إلى مناطق للنفوذ العالمي بعد الحرب بين بريطانيا وفرنسا، وبتوقيع السير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، ورغم كل ما يقال عن تقسيم منطقة الشرق الأوسط عبر الحدود المصطنعة التي تلبي الاحتياجات الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا، ورغم أن هذه الحدود لم تكن تتوافق مع التمايزات والاختلافات الطائفية والقبلية والعرقية على أرض الواقع، ناهيك عن فشل معظم مشاريع القومية العربية (العلمانية) والتخلف في مختلف المستويات، فإن الشعوب العربية كانت أفضل حالا في ظل الإمبراطوريات الأوروبية من وجودهم تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية أو مما هم عليه الآن!

7- 1914 – 1918 بذر بذور الصراع بين إسرائيل وفلسطين

بعد الحرب العالمية الأولى وفي غمار تقسيم الإمبراطورية العثمانية منحت الحكومة البريطانية تفويضا لحكم فلسطين، بما في ذلك الالتزام أمام الجالية اليهودية في بريطانيا بإنشاء “وطن قومي” لليهود في منطقة الشرق الأوسط، وهي الفكرة التي طرحها وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور.
وحرصا على احتفاظ بريطانيا بوعودها وعدت العرب أيضا بدولة عربية على نفس الأرض!وقد تصاعد التوتر بين الجانبين وتطور في النهاية إلى أن أصبح الصراع الإسرائيلي الفلسطيني “ الشهير”، والذي بدأ قبل قرن من الآن، وقد واجه البريطانيون الشغب والانتفاضات المتتالية من كلا الجانبين العربي واليهودي في النصف الأول من القرن العشرين.

8 - عام 1947 الأمم المتحدة تصوت على تقسيم فلسطين

بعد أن حكمت فلسطين منذ عام 1920 سلمت بريطانيا المسؤولية عن حل قضية الصراع العربي - الصهيوني إلى الأمم المتحدة في عام 1947، ومنذ ذلك الوقت ابتليت المنطقة بالاضطرابات المزمنة والمعقدة بين”العرب أصحاب الأرض” وسكانها الأصليين واليهود ( المهاجرين) الذين لا يبدأ تاريخهم أبعد من عام 1910، حيث تنازع الجانبان على نفس الأرض التي كانت تسيطر عليها بريطانيا.
وقد أوصت الأمم المتحدة بتقسيم الأرض إلى دولتين منفصلتين ومستقلتين بين اليهود والفلسطينيين ووفقا لخطة التقسيم تمنح نسبة 56.47 % من أراضي فلسطين للدولة اليهودية و43.53 % للدولة العربية.
ورغم أن الفلسطينيين عارضوا خطة التقسيم منذ البداية فقد وافقت القوات اليهودية وأمنت حصتها المخصصة من أراضي فلسطين حسب الأمم المتحدة فضلا عن الأراضي العربية الأخرى.

9 - عام 1948 إعداد المسرح للصراع بين إسرائيل وفلسطين إلى اليوم

مع انسحاب بريطانيا من المنطقة في 14 مايو عام 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل كأول دولة يهودية منذ ما يقرب من ألفي سنة ( 2000 )، غزت – في اليوم التالي مباشرة – خمسة جيوش عربية إسرائيل: من مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق.
وقد تمكن الجيش الإسرائيلي من درء العرب والاستيلاء على المناطق الرئيسة في فلسطين بما في ذلك الجليل والساحل الفلسطيني وشريط من الأراضي التي تربط المنطقة الساحلية إلى الغرب من القدس.
وبعد مفاوضات ومناقشات أعلنت الأمم المتحدة وقف إطلاق النار في عام 1949 حيث اكتسبت إسرائيل منذ ذلك التاريخ السيطرة الدائمة على هذه المناطق.

10 - ما بعد الحرب العالمية الأولى.. مصالح ذاتية في العراق

بعد أن حاربت الدولة العثمانية إلى جانب دول المحور: ألمانيا والنمسا والمجر، احتل البريطانيون بغداد.
وقد ظلت العراق تحت الانتداب البريطاني على مدى عقود ثلاثة لاحقة كمزيج معقد من المجموعات الإثنية الدينية والعرقية.
ومع ذلك لم تكتف شهية بريطانيا الشرهة بما كسبت، وإنما أرادت السيطرة على حقول النفط في الدولة الجديدة الوليدة وخطوط السكك الحديدية والأنهار الصالحة للملاحة، ولاسيما “ دجلة “ و” الفرات” لأغراض التجارة والنقل، ولم يساورهم القلق إلا من هذا الخليط من القبائل والعشائر والعرقيات، بما في ذلك الأكراد والشيعة حول البصرة والطائفة السنية وملوكها في بغداد، ومن ثم نشأ الحكم الملكي الهاشمي في 1921 ومنحت البلاد استقلالها في الثالث من أكتوبر 1932، وبموجب بنود المعاهدة والاتفاق “ الأنجلو - عراقي “ في عام 1930 تم الإبقاء على القوات البريطانية وتدريب الجيش العراقي، ومع ذلك فقد أصبحت العراق هي الأرضية الخصبة للتمرد ضد الوجود البريطاني، خاصة بين الضباط القوميين الجدد.