إن جريان سنة التغيير في المجتمعات وذهاب قيادات ومجيء أخرى هي من طبيعة الحياة التي أجراها الله عز وجل في الناس فلم يتوقف مجتمع ولا شعب يوما على حالة واحدة، ولم يكتب الله الخلود للبشر، ولو كان ذلك لكان الأحق به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لمقامه وكماله، وهذا المعنى الدنيوي الظاهر حين يأخذه أهل الإيمان والنظر الصحيح في سياقه فسيرون فيه زوايا تستحق الوقوف عندها طويلا، ومنها أن الدنيا ليست بدار قرار ولا دوام، وليست إلا دار فتنة ومرور يعبرها السائرون ويخرجون منها مهما طال بقاؤهم أو عظم شأنهم، وكلما استقر هذا المعنى في نفس الإنسان ازداد زهده فيها وتنبه إلى ضرورة العمل للمرحلة الدائمة الباقية، فيكون همه إصلاح آخرته والاستعداد لها، وهذا سيبعثه لكل خير وصلاح ونفع وسيباعده عن كل معصية وسوء وفساد.
ومن تأمل حياة الناس وجد أن افتتانهم بالدنيا هو أعظم أسباب غفلتهم عن آخرتهم وتفريطهم فيما يصلحها.
ومن هذه الزوايا أيضا أن الذوات والأجساد إلى زوال حتمي عن الدنيا ولا يبقى لها من صورة إلا ما كان من إحسانها ونفعها وخيرها للناس، فإن كانت ممن قد صلحت في ذاتها وأحسنت إلى غيرها كان شأنها أجمل وأكمل، وإن كانت ممن عاشت على هذه الحال دون عظيم نفع للناس وبذل لهم لم يكن لها ذلك الذكر والأثر، ولكن الخطر في أن تكون خلوا من هذين الحالين الكريمين، فتعيش بعيدا عما يصلح آخرتها ويضبط مسارها ولا تبحث إلا عن ما يحقق هواها من كل طريق، ولو كان فيه ضلال وخسران، وإذا استشعر المرء هذا المعنى على الحقيقة، فإنه سيضبط مساره وخطواته في الاتجاه الصحيح، وإن كان صاحب شأن وتأثير، كان أثر ذلك لصالح المجتمع من حوله بحسب موقع هذا الشخص ومكانته، وازداد شرفا إلى شرف بحسب وعيه لدوره وقيامه به.
ومن هذه الزوايا أيضا أن دورة البقاء قصيرة جدا فلا دوام للبشر مهما غفلوا أو تناسوا ذلك وهم تحت مطرقة العوارض في كل حين، فإن سلموا من الآفات العارضة فالنهاية المحتومة كامنة لهم بالمرصاد، ولذلك فلا معنى لغرور العبد الضعيف، ولا لاستعلائه وظلمه، ما دام هذا مصيره، وما دامت هذه مدة بقائه، وما أعظم العبرة في ذلك وما أخطرها.
الحركة التي لا تقف
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
