وفق الاعتبارات التاريخية للإسلام ومفاهيم التوحيد والعقيدة، أصبح الشيخ محمد بن عبدالوهاب مجدداً. وتاريخ التجديد في دعوة الشيخ مدونٌ ومعروف ومختلف على بعض ما فيه، على الرغم من أن هناك الكثير ممن يتبنون دعوته دون محاولة إعادة قراءتها وفق ظرفها التاريخي، لاعتبارات من أهمها ضمان الاستقرار والثبات وفق مفهوم السلطة، للفرد والجماعة، وهي سلطة تيارات أو جماعات وتكتلات، ترى أن أي محاولة إعادة قراءة ستفقدها قيمتها. الاعتبار الآخر اعتبار عقدي جاء نتيجة ترسيخ مفهوم التغيير باعتباره تغريباً لا باعتباره تجديداً وتطوراً وإعادة فهم وتفسير وقراءة تنتهي للأصلح اجتماعياً وثقافياً ودينياً.
المحاولات الفردية التي يقوم بها بعض المصلحين الدينيين والمشتغلين في الحقل الإسلامي محلياً وعربياً أثبتت ضعف تأثيرها مقابل السلطة الدينية التي تبنّت إيقاف مراحل التجديد الإسلامي عند مرحلة محمد بن عبدالوهاب. هذه المحاولات لا تزال فردية ولم ينجح أي من متبنيها ومريديها من نقلها إلى عمل مؤسسي أيضاً لنفس الاعتبارات التي من أهمها سلطة المؤسسة الدينية وشيوع مشروعها في المؤسسات المعنية حكومية أو أكاديمية أو اجتماعية، ولم تستطع الأحداث والمراحل من حرق وإعادة صياغة المفاهيم من جديد، على الرغم من مرور العالم الإسلامي وأنظمة الحكم فيه بعدد من الأحداث والتجارب والحروب، ولعلّ آخرها مرحلة الربيع العربي التي لا تزال تغيراتها قائمة حتى اليوم (سوريا والعراق) مما أنبت عددا من المنظمات والتنظيمات القائمة على الفهم السلفي للإسلام باعتبارها منظمات تتبع المنهج السني، وقبلها منظمات نشطت في العراق أو ظهرت بالأصح بعد حرب احتلال العراق تتبع المنهج الشيعي، وتنشط في المناطق ذات الأكثرية الشيعية، واستطاعت أن تفرض سيطرتها بسبب الدعم السياسي من قبل أحزاب ساندتها أو مولتها المنظومة الشيعية (إيران، العراق)، بغض النظر عن انحسار تأثيرها لأسباب سياسية.
العودة إلى مفهوم «الوسطية» الذي تم التعاطي معه داخل المنظومة الإسلامية بعد أحداث سبتمبر 2001 هي دعوة للقطيعة مع «الجهاد»، وهو المصطلح والمفهوم الأكثر تعقيداً وتأثيراً في الحالة الإسلامية وتقاطعاتها مع الأحداث، سواء بشكل مباشر أبو غير مباشر، أي بمعنى الحروب المباشرة التي خاضتها بعض الدول أو الفصائل (أفغانستان، الشيشان) أو تبنيه كمفهوم لا يقوم فقط على رفع شعار الخلافة الإسلامية، بل يتعداه إلى الانتقام من العدو أيا كان موقعه الجغرافي ومهما كانت الوسيلة، أي إننا أمام حالة تحسين «صورة» ومنها برز مجموعة من الإصلاحيين والدعاة برفع شعار الوسطية ونشطت التفسيرات والتحليلات والدراسات والبحوث التي تستند على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وتخريجات لغوية لإشاعة مفهوم الوسطية بصفته حلا للتعاطي مع حالة الخراب التي حدثت بفعل مفهوم الجهاد الذي تم تبنيه من قبل مجموعات متطرفة.
اليوم الأول من رمضان 1435 هـ، هو يوم إعلان جماعة داعش، وهي من أسوأ التنظيمات الإرهابية التي استطاعت تشكيل قاعدة واسعة بنشاطها المسلّح في العراق والشام. ووفق المنهج الداعشي فإن التنظيم حسب خطابه قائم على فهم سلفي للإسلام والجهاد والدولة الإسلامية والتبشير بها، بينما ما ارتكبته فصائل داعش في أرض عربية وإسلامية هو مجموعة من المذابح المرعبة ومفاهيم تلغي النموذج النبوي والمبادئ التي قامت عليها الدعوة المحمدية. هذا يعيدنا إلى حالة التردد التي كنا وربما لا نزال عليها منذ ثلاثة عقود حول تسمية الأشياء بأسمائها والعودة إلى تفكيك الخطاب الإسلامي السلفي والدعوي وإيقاف هذا النزيف من الاختلافات حول مبادئ أساسية بدلا من الهرب إلى مفاهيم نحاول من خلالها الدفاع عن أنفسنا وقيمنا مثلما حدث مع مفهوم الوسطية.
الحالة الإسلامية واختلافاتها تحتاج، وهي أكثر حاجة من الماضي، إلى مرجعية إسلامية تنهض بمشروع يتبنى القيم الإسلامية الأصيلة، المعني بها الإسلام وحفاظه على حياة البشر وتطورها وفهمها وسط مجتمع عالمي مدني وحضاري متغير..هيئة يتم تأسيسها ورعايتها للقضاء على جروح الإسلام التي تركها التاريخ القريب، وإعادة قراءة الإسلام كدين نافع للبشرية، لا أن يترك لمجموعة من «الهمجيين» لرفع شعار الخلافة، مستغلين ضعف اهتمامنا.
ترك الإسلام لمراهقين ومتشددين ودعاة شرّ، يعني إهماله وإعطاء الفرصة لمن يريد النيل منه في أي صراع ديني أو سياسي، بينما نعرف تماماً أننا عشنا وفق منهج إنساني سليم قائم على المحبة والسلام.
فمن أين نشأ هذا الشر؟
لنُعِد قراءة الأحداث ومن يفرض سلطته الآن ومن يتصرف ويتبعه الرعاع، ومن المستفيد من كل هذا الخراب.