لست بصدد القول إن قناة (الجزيرة) تنفذ سياسة النظام القطري، فهذا أمر مفروغ منه، فقد تأسست القناة بمنحة من الشيخ حمد أمير قطر السابق، قدرها مئة وخمسون مليون دولار، مع دعم سنوي قدره ثلاثون مليون دولار. والقناة مملوكة لمؤسسة الإعلام القطرية، ولهذا فمن الطبيعي أنها منذ بدأت البث في الأول من نوفمبر 1996م تنفذ سياسة وتعليمات النظام القطري الجديد آنذاك، - فالقناة بدأت بعد انقلاب حمد على والده بأقل من عام، إذ كان الانقلاب في السابع والعشرين من يونيو 1995م -، وليس في الأرض دولة تشتري وتدعم وسيلة إعلام إلا لخدمة توجهاتها، وتحقيق أهدافها سواء كانت توجهات وأهدافا داخلية أو خارجية. و(الجزيرة) لا شك تخصصت في المساهمة الفاعلة في تحقيق أهداف وتوجهات النظام القطري الخارجية، بل وبدقة طموحات وخيالات الأمير الجديد آنذاك، الذي وجد في تدفق الثروة، وذكاء وزير خارجيته، وأمور أخرى، ما جعله يحلم بزعامة العرب، رغما عن حقائق التاريخ والجغرافيا، فكانت (الجزيرة) أول وأهم أذرع الحلم!
قناة (الجزيرة) لا تصر - حتى الآن - أن ما حدث في مصر في 3/7/2013 انقلاب عسكري فقط، بل تعمل بكل ما أوتيت من قوة، إلى إعادة الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان إلى سدة الحكم، باعتبار ما تزعمه عبر مذيعيها ومذيعاتها وضيوفها أن حكم الإخوان هو (الشرعية) التي يجب أن تعود، على الرغم من أن الشعب المصري اختار دستورا جديدا، وانتخب رئيساً جديدا. وأطرف ما يمكن أن يلاحظه المتابع ذلك الحماس الهائل الذي يبديه مذيعو ومذيعات القناة للتقليل من شأن مصر ورئيسها، ومقاطعة وتسفيه كل ضيف يخرج عن النص، بل إن أولئك المذيعين والمذيعات وبوضوح ودون خجل من شعار (الرأي والرأي الآخر) جاهزون لإقصاء كل من يقول أي إيجابية عن مصر، وتضخيم أي سلبية مهما كانت هامشية أو غير حقيقية. أما ملاحقة شاشة القناة لكل عشرة أشخاص تجمعوا في شارع أو قرية، واعتبار ذلك مظاهرة ضد الحكم الجديد فحدث ولا حرج، لدرجة أن المشاهد أصبح يسمع أسماء قرى وشوارع قد لا يعرفها كثير من المصريين أنفسهم، أما كيف وصلت القناة إليها، أو كيف وصلت تلك الصور والأسماء إلى القناة؟ فلا تنس أن المال يجلب أكثر من ذلك، وطالما أن الهدف واضح، والتوجيهات صارمة، والمال وفير، فما على فريق القناة سوى التنفيذ، حتى ولو كان على حساب ماء وجوه المذيعين والمذيعات الذي يريقونه بحماس كبير على مذبح مناطحة الوعل القطري للصخرة المصرية، ولا أدري إذا (أوهن قرنه الوعل) غداً، أو بعد غد، ماذا يفعل أولئك المذيعون والمذيعات إذا طلب منهم مدح الصخرة المصرية، والإشادة بدورها، وهي بذلك جديرة، لكن كيف سينقل هؤلاء المريقون لماء وجوههم اليوم البندقية إلى الكتف الآخر غداً؟ أما ضيوف القناة الدائمون والمستقدمون (أو الفارون) من مصر خصيصا لهذا الهدف، فالله أعلم كيف يكون حالهم حين يكون لا سبيل أمامهم سوى حضن أمهم (مصر) التي لم يبق في جعبتهم نقيصة ولا سخرية إلا وصبوها على نظامها الجديد وجيشها وشرطتها وأحزابها وإعلامها!
أعرف تماماً أنه لا يوجد في الدنيا كلها وسيلة إعلام حيادية، فلكل وسيلة أجندتها، وأهدافها، وهي أجندة وأهداف تنسجم مع أجندة وأهداف الجهة أو الدولة التي تملكها، لكن مع مراعاة حجم وتأثير تلك الجهة أو الدولة، ولو أن قناة الجزيرة تخدم أجندة سعودية أو حتى أمريكية أو من في حجمهما لما علقت على ما تفعل، فتلك دول قادرة على التأثير في مسار الأحداث بوعي وحكمة وقوة، أما وهي تنفذ أجندة النظام القطري ضد مصر، فلا بد ألا تنسى أن المال في يد الصغار لا يختلف عن عود الثقاب في ذات الأيدي، وأن الشاعر لم يخطئ حين قال: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة.