الابتداع زيادةٌ في الدين، وهو بابٌ من أبواب الضلالة، والحق يقال: أن جهود العلماء السابقين أثمرت كثيرًا في تبصير المسلمين بخطورة البدعة، والحرص على العودة لما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. هذه الجهود لا تكفي، وما زالت الأمة بحاجة إلى نشر هذه المعاني وترسيخها من جهة، وما زال معنى البدعة وضابطها وما يتعلق بها من أحكام بحاجة كذلك للبحث والمدارسة.
وأريد أن أتجاوز هنا هذا المعنى للابتداع، إلى مطلق الزيادة في الدين، والقول على الله بغير علم، لا سيما ما يروج في أوساط طلبة العلم من المحاذرين والمجافين للابتداع.
حين تقرأ سورة الأنعام، يلفت انتباهك التركيز على التشريع بغير دليل، وأن ذلك من منازعة الله في أحكامه، ومن ذلك: «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ « [الأنعام: ١١٩]، وذكر سبحانه ما يعتمدونه من أحكام وتفاصيل ما أنزل الله بها من سلطان، وفي سورة الشورى يقول الله: «أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ « [ الشورى: ٢١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
حين يذكر الفقيه تفصيلًا لا دليل عليه من الكتاب والسنة، ما موقفنا من هذا التفصيل الزائد المنسوب للشريعة دون دليل؟، أما الفقيه فلعله اجتهد بما يعذره عند الله، ولعله إن أخطأ أصاب أجرًا واحدًا، ولكن ماذا عنا ونحن لا نرى حجةً شرعية تبيح لنا التدين بهذا التفصيل؟.
إن نسبة الحكم إلى الشريعة أمرٌ جليل، وما لم يكن معك حجة وبرهان فتريَّثْ وتهَيَّبْ، ألا ترى أن بعض القوم يُقدم على التحريم احتياطا، وما علم أن الاحتياط هو في الخوف والوجل من القول على الله بغير علم! يسعه أن يمتنع عن الفعل إن ارتاب في جوازه، ولا يسعه أن يحكم بأن الله حرم هذا إلا بسلطان مبين.
قال الله تعالى: «إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [يونس: ٦٨]، وقال تعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ « [النحل: ١١٦].
وقال تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ « [يونس: ٥٩].
يُخطئ من يمرّ على هذه الآيات مرورًا عابرا، دون أن يقشعرّ بدنه من أن يكون قد وقع في مثل ذلك بجهلٍ أو تفريط. يُخطئ من يظن أن ذلك خاص بالمشركين، وكأن المسلم يحل له أن يقول على الله بغير علم. ومن يقرأ الفتاوى المعاصرة، ويستمع لكلام العامة والخاصة في المجالس، يتأكد لديه أن هذا الأمر الخطير في كتاب الله يحتاج إلى مراجعة في نفوسنا وتعليمنا ومواعظنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : «ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة، من الشرك ونحوه، هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة، والمتصوفة‏.‏ وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة.» [الفتاوى: (٨٩/١)]. وفي موطن آخر يقول: «وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة» [الفتاوى: (٩٩/١)].
إن انتسابنا للإسلام لا يعصمنا من أخطاء السابقين، بل يوجب علينا أن نكون قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسنا، وألا يمنعنا الحب والتقدير من واجب التصحيح والتجديد، وردُّ القول لا يعني انتقاص قائله، واحترام القائل لا يكفي في قبول قوله، حتى يأتي بسلطان مبين؛ فنسبة الحكم لشريعة الله، والقول على الله محلُّ الحيطة والحذر. قال الله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ « [ الأعراف: ٣٣].