يجدر بنا ونحن نتحدث عن النجاح أن نراجع أمرين: تعريفه وصيغه، لا لنعلن عن قائمة تضم أسماء الناجحين ببهجة، وتقابلها قائمة للذين أخفقوا لنعلنها بخيبة، ووفقًا لمعايير تقليدية بالية تتبناها الأنظمة التعليمية والمؤسسات كالمدارس والجامعات، بل وفقًا لمعايير حديثة ينبغي أن نتبناها، فلا نظلم كثيرًا من الشرائح نتيجة أحكام تعسفية لأعراف جائرة، فإن لم نفعل ذلك فنحن نظلم تك الشرائح مرتين: الأولى بانخراط تلك الشرائح تحت طائلة من العقوبات الاجتماعية والاقتصادية الجائرة، التي منعتها ظروفها من مقاومتها، والأخرى بتجاهل منجزهم
لقد آن الأوان أن نكسر ذلك التراتب القهريّ الذي عاشته شرائح المهمّشين في ثقافات تتمركز حول القوة، والمتمثل في وجودها الاجتماعي ثانيًا وربما ثالثًا أو أخيرًا، إلى جانب تقليل منجزاتهم التي تتحقق في صيغ كادحة بعرق ونصب، وعدّها من فئة المعتاد والمألوف وغير المهم، ولم نتأمل إلى أن تلك المنجزات تبدو لهذه الشرائح كبيرة، وأنها تتضاعف قوة على امتداد مساحات تلك الشرائح، ولو تأمل كل منا في في موقعه سيتأكد من كونه جزءًا في تلك المنظومة ينتفي وجوده بانتفائها
إذًا ليكن البعد الإنساني لنا مقياسًا، ولنتخذ الصدق لنا نبراسًا، ولنؤمن أن التغلب على الظروف القاسية يكشف لنا آفاقًا؛ وبوجود المقياس والنبراس والآفاق، نستمد القانون والضوء والطريق، وبهذه الأبعاد جميعها نستلهم تجربتنا الجديدة في تعريف النجاح، وتحديد صيغه
ليس النجاح في الوصول إلى المراتب الوظيفية العليا، ولا في الحصول على أعلى الشهادات، ولا في زيادة الأرصدة البنكية أو العقارية أو غير ذلك، فكل أولئك ناجحون في مقاييسنا الآنية، لأننا نخضع لفلسفة رأس المال الرمزي، ذلك الذي نحققه لذواتنا، لنجعل من أبجديات حياتنا اليومية الانصراف إلى حمايته من خلال تحقيق التراتب الذي نبتغيه، فنتفاعل معه ونسعد به، ومن ثمّ يخلق حالة من الدفاع المستميت في المحافظة عليه، لو وضعنا كل أولئك في كفة واحدة لوجدنا جلّهم قد ساعدتهم الظروف، ويسرت لهم أمورهم، فتغيرت أحوالهم، وتحسنت أوضاعهم، وحققوا مكتسبات رمزية فساعدهم المجتمع الخاضع في تنمية تلك المكاسب، بل إنه أحيانًا يميل إلى تضخيم المنجز، وصناعته في عيوننا، بحثًا عن أبطال وشخصيات ذات بعد رمزي
لا ننكر على هؤلاء أنهم أسهموا في إيجاد المناسب، ولكن كم من هؤلاء ومن أولئك الذين يصنعون الأجواء المواتية له، بعض هؤلاء قد يجد نفسه حال تضاعف رصيده نتيجة صفقة ما، قد تكون غير شرعية، فهل يعدّ من الناجحين؟إن فلسفة النجاح من هذا المنظور تتكون من مستويين اثنين: الأول إقناع ذواتنا بهذا المبدأ، وأعني به البحث عن صيغ أخرى للنجاح، وإلا أصبحنا متواطئين بصورة أو بأخرى، وأثبتنا عنصرية ضد شريحة عانت، ولا تزال تعاني، دعوني أحاول أن أثبت هذا المبدأ عمليًا من خلال بعض الأمثلة، وذلك بالسؤال: ترى من منا الذي تراءات له صورة امرأة في سياق الناجحين؟ ومن منا تراءت له صورة ميت ذي سيرة في هذا النجاح؟ ومن منا تراءت له صورة فقير تغلب على ظروفه ولم يمد يده؟ لنقف احترامًا لهؤلاء الذين بذلوا ما عليهم، مع ندرة الإمكانات التي لديهم، وصعوبة السياقات المحيطة بهم، وتمكنوا من اجتيازها بنجاح
أما المستوى الآخر فهو التحرر من الخضوع لعلاقات القوة التي تجذبنا إليها، وتشرع لنا بطريقتها، لهذا فالمقترح هنا أن تكون الحرية مبدأنا في اتخاذ موقفنا وصياغة قرارنا
آن الأوان أن نتوقف عن مكافأة أولئك الذين نسميهم (ناجحين) مرتين، وأن نحجم عن ظلم أولئك الذين نراهم (غير ناجحين) مرتين، فالنجاح تعريفًا وصيغًا قد تعرض لاختطاف غير معلن من مراكز القوة، وعلينا أن نعيد ما اختطف ببناء قيم المساواة والعدل لأولئك وهؤلاء دون تردد
للنجاح صيغ أخرى
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
