صادقت محكمة الاستئناف أمس على حكم المحكمة الإدارية الثانية بمكة المكرمة بإلغاء الفقرة الأولى من قرار مجلس تأديب أفراد الطوائف رقم 35/1 الصادر بتاريخ 21/2/1435هـ المتضمن إيقاع عقوبة الإقصاء عن ممارسة المهنة لمدة 7 سنوات بحق عدنان محمد أمين كاتب وكل ما ترتب عليها من آثار.
ورأت المحكمة الإدارية في حكمها أن على وزارة الحج وهي تعد خصما نزيها في توصيف القضاء لجهات الإدارة أن تحترم أولا النظام فيما أسند إليها من اختصاص، وأن تراعي المصلحة العامة مبتعدة عن تحقيق أي مقصد يخالفها، وأن تحترم أحكام القضاء فيما تنتهي إليه، وأن تؤدي الحقوق إلى أصحابها، وألا يصاحب قراراتها التعسف، وابتغاء المصالح الخاصة، إذ إنه اتضح للمحكمة أن قرارها معيب بعيوب جسيمة، والعيب الواحد منها كاف لإلغائه وإطراحه وبيان بطلانه.
وأكدت المحكمة في حكمها على أن من المقرر نظاما وقضاء وفقها أن من عيوب القرار الإداري عيب الانحراف والإساءة في استعمال السلطة، المتميز بطبيعته عن غيره من العيوب التي تلحق بالقرارات الإدارية، إذ إنه لا يكون فقط حين يصدر القرار لغايات شخصية ترمي إلى الانتقام أو إلى تحقيق نفع شخصي، بل يتحقق كذلك إذا صدر القرار مخالفا لروح النظام بالمجانبة للمصلحة العامة والتعسف في استعمال الحق.
وحيث إن إثبات عيب الانحراف هو في الحقيقة إثبات موضوعي يجوز إثباته بكل وسائل الإثبات، وقد يثبت بالقرائن كقرينة التفرقة في المعاملة بين الحالات المتماثلة، وقرينة ظروف وملابسات وتعبيرات القرار ذاته، وقرينة انعدام الدافع المعقول وقرينة الموقف السلبي من الادعاءات وقرينة عدم الملائمة الصارخة (الغلو الظاهر)، وعلى المحكمة أن تتلمس القرائن حال ظهورها، فإن ثبتت تعين إلغاء القرار لعيب الإساءة في استعمال السلطة تحقيقا للمفهوم الشامل لهذا العيب ومنعا من اقتصار دلالته على نية مصدر القرار كتحقيق الانتقام أو النفع الشخصي، لما في ذلك من الحفاظ التام على المشروعية في أجلى معاني العدل والحق وتطبيقا لذلك، فالثابت للمحكمة أن القرار الطعين قد احتفى بالآتي:
أولا: قرينة ظروف وملابسات القرار، فالثابت أن وزارة الحج أحالت المطوف عدنان كاتب للتحقيق بعد صدور قرارها بحل مجلس إدارة المؤسسة الأهلية لمؤسسة مطوفي حجاج جنوب آسيا، يضاف لذلك إخلالها بمبدأ المسؤولية التضامنية والمشتركة، فقامت بتحميل المسؤولية بشكل انتقائي غير مبرر على الرغم من من صحة إسناد المخالفات ذاتها لكل أعضاء مجلس الإدارة.
ثانيا: الغلو الظاهر الصارخ وعدم الملاءمة في تقدير العقوبة والتي تعد بذاتها تعسفا وتدل على شبهة الانتقام وانحراف شديد بالمصلحة العامة، فالمادة 15 من قواعد تأديب الطوائف نصت بشكل صريح على (يراعى في توقيع العقوبة التأديبية أن يكون اختيارها متناسبا مع درجة المخالفة، وعلى أن يكون في الاعتبار السوابق...) وبما أن العقوبات المنصوص عليها نظاما ابتدأت بالإنذار وانتهت إلى الإقصاء عن ممارسة المهنة مدة مؤقتة، فالإقصاء أغلظ وأشد عقوبة نص عليها النظام ونص على أن تكون مؤقتة للدلالة على التقليل والعقوبات المشددة لا يرتكن إليها إلا في حال المخالفات الجسيمة أو السوابق المتعددة، والبين أن المخالفات المنصوص عليها لا تعد بأي حال من الأحوال جسيمة في العرف الإداري والتأديبي، فضلا على أن المدعى لا سابقة عليه ولم يسبق له أن تمت محاكمته أو إحالته للتحقيق، بل على العكس من ذلك، فوفقا لما قدمه محامي المدعي أمام الدائرة من شهادات كتابية من كل الأجهزة وقطاعات الدولة حتى منح أرفع شهادة ووسام يتعلق بخدمة الحجيج وهو (نوط الحج) من قبل وزير الداخلية لتميزه بتقديم خدمات أثرت إيجابيا على الخطة العامة للحج، كل ذلك يدل على سجل مشرف ومتميز يعد في القضاء التأديبي ظرفا مخففا في حال وقوع مخالفة جسيمة، فكيف والمخالفة غير ثابتة ولو ثبتت لا تعد جسيمة وفقا للتوصيف الصحيح لها، مما يدل دلالة واضحة على أن وزارة الحج انحرفت عن تحقيق المصلحة العامة ولم تراعها بأي حال واستخدمت الأدوات النظامية في غير ما خصصت له، مما سينعكس حتما على سير مرفق يعد من أهم مرافق الدولة، وهو خدمة الحجاج.

