ما العبادات الشرعية؛ إلا أجساد خاوية على عروشها، ليست تدبّ فيها :»حياة» ما لم تنفخ فيها :»الروح»، وهي مقاصدها، ذلك أنّ الأعمال من دونها لا تعدو أن تكون محض أجساد لا روح فيها .فأيّ شيءٍ إذن تُغني وهي ميّتةٌ لا حَراك فيها؟!
و:»التقوى» هي أجمع لفظةٍ، يمكن أن تؤول إليها كلّ المعاني التي من أجلها كُتب علينا :»الصيام» كما كتب على الذين من قبلنا. وما ثَمَّ غفرانٌ جزاء صومٍ ما لم يكن قد توافر على شقيّ التقوى:» إيمانا واحتسابا».
وبالقدر الذي تستوعبه في صيامك من :»التقوى»، فتنال منها حظّك، تكون حينئذ قد صُمت، على النحو الذي تنأى فيه عن أن يكون نصيبك من صومك :»الجوع» و:»العطش»، والله -جلّ في علاه- في غنىً عن أن تجوع أو أن تعطش.
ولا جرمَ.. أنّنا والغون في الفقهيات (الشكلانيّة)، حتى أذهبنا روح عباداتنا في مظهريّاتٍ، قد خرجت بنا عن مقتضى المنهج السديد حيث العناية بـ:»مقاصد الأحكام»، وصيّرناها تالياً في حكم الغيبة الكبرى، إذ لم نشهد لمنهجيّة المقاربات المقاصدية، أيَّ حضور أو تأثيرٍ في الفهم والاستنباط، وما يترتب عليهما من اجتهاد و تنزيل/ تطبيق، ولذا لم يعد الحديث عن مقصود الشارع، أو الإفاضة إبانةً عن استجلاء المقصود من الحكم، أو بسط الكلام حول حكمة الشريعة، من المألوف في:»درسنا الفقهي» وبخاصةٍ في مخرّجاتها، حيث دائرته الأضيق وهي: «الفُتيا»!. ومما كنت حفظته عن ابن تيمية قوله: «من فهم حكمة الشارع كان هو الفقيه حقاً» وقال في موضع آخر:»خاصة الفقه في الدين.. معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها»
أما شأن النظر، في:»مقاصد المقاصد» والعناية مِن ثَمَّ بتفتيق دالّها ومدلولها، فلعل هذا مما لم يخطر لـ:»مدارسنا الفقهية» على بال، بحسبانها غارقة في تقرير ما قد قرر قبلا، من شرائط صُنعت على أعين شرّاح هوامش الحواشي، فأضاعت بهذا متن-المعنى- حيث حكمة التشريع وغاياته.!
وبشيٍء من اختصار، يسعني القول: إنّ الله تعالى في محكم كتابه هو من قد تكفّل - منّة منه وفضلا- بالإبانة عن الحكمة - مقاصدياً- من تشريع الصيام، إذ جعلها في :» التقوى» .في حين يُمكن أن تحال عليها كل المصالح المتحققة من امتثال عبادة:» الصوم»، وهي مصالح نفعها متحقّقٌ للعباد دنيا وآخرة، ولقد شهدت بهذه المصالح، العقول السليمة والفطر السليمة.
وبالمختصر: فلئن لم تجد من بعد:» صومك» من أثرٍ في صعودك مسالك العبودية -الحقّة- ورقيّك في مدارج منازل: «إياك نعبد وإياك نستعين» فاعلم آنذاك، أنّه لم يصم منك إلا بطنك وفرجك.!