عندما تمشي في الشارع الرمادي، تحت نور فضي معدني، وتجد أن بعض الناس يلفون التبغ في الشوارع، ستعلم أنك في بريطانيا
لف التبغ، الذي يكتسي بظلال شبهة في مصر- وفي أمريكا كما قالت لي صديقة من ويسكنسن- هو شيء طبيعي في بريطانيا، حيث علبة السجائر المارلبورو تباع بـ6,76 جنيهات إسترلينية، وبالطبع حاول ألا تصيبك أزمة قلبية عندما تحاول ترجمة الرقم للمعادل المحلي
الاقتصاد بمعناه الحرفي هو ما يستقبلك به الشارع البريطاني، اقتصاد في استهلاك الموارد، مترادف بسور من الانفاق وراء متع الحياة، وكأنها قطبا كهرباء متنافران يرقصان الفالس
أقطاب كثيرة تتراقص في المجتمع البريطاني، الحرية والخوف من المتشددين، روح التعالي الإنجليزية المعتادة ومحاولة الانفتاح على الآخر، الحنق المعتاد من الأسكتلنديين والولزيين وتاريخيا الإيرلنديين من ذات روح التعالي البريطاني: يخبرني كايل، طالب الهندسة الأسكتلندي ألا أنخدع بثراء أدنبرة البادي، وراء أدنبره، في الريف، وفي جلاسجو، فقر مدقع
تتواصل الأقطاب المتنافرة، فبينما هناك حرية في كل شيء، يوجد نوع من التحفظ البارد تجاه بعض هذه الحريات
يمكنك أن تجد الروحانيات والكنائس المغلقة المهجورة المتحولة لنواد رقص أو مطاعم، الخوف من الإنفاق وآلاف الجنيهات الإسترلينية التي تنفق في المراقص والملاهي والمطاعم ومحلات الملابس والكماليات
هنا وجه حقيقي من ثقافة الاستهلاك وإن كانت تكتسي بالحذر، وشراء تفاحة واحدة خير من أربع قد تفسد إحداها
ثقافة تمجد الحياة وتفزع من الموت بمعناه البارد الفاني النهائي، من عروض التخفيضات لأنواع متعددة من السلع بدرجات جودة مختلفة وأسعار مختلفة لكل المستهلكين، أنواع المطبخ العديدة من هندي وتايلندي وعربي وأوروبي
يمكنك أن ترى عددا لا يستهان به من شحاذي السجائر، وبعض المجانين بمعاني متفردة: أحدهم يذرع محطة الأتوبيس مجيئا وذهابا، متمتما بكلمات لا معنى لها، في نفس الوقت الذي يرتدي فيه ثيابا جيدة، وبمشهد من كل الأناقة والثراء التي تذخر بها شوارع أدنبره
يمكنك أن تجد أفكارا ممتازة مثل محلات متخصصة في الأعمال الخيرية مثل شلتر مثلا، والتي يذهب ريعها بالكامل لمن لا بيت له، ومحلات أخرى لذوي الإعاقة ومرضى السرطان وخلافه، وجميع العاملين من المتطوعين بلا أجر
يمكنك أن تجد أناسا يمررون أنواعا مختلفة من السلع، من الحذاء وحتى السيارات، إلى أصدقائهم أو إلى مجهولين، للأصدقاء بشرط أن يمنحوا السلعة مجانا في المستقبل، بينما لا توجد -طبعا- قواعد ما عندما تترك ثلاجة في مدخل المنزل لمن يحب أخذها، ولكن «الطيب أحسن» إذا أردت
يمكنني أن أرى هذه الثلاجة وحذاء ما بالقرب من البيت الذي أقطن به في أدنبره، العاصمة الأسكتلندية، وفي نفس الوقت أذكر أنني أصبت بحالة من الترقب إزاء ظاهرة السوبر ماركت هنا، حيث توجد ثلاثة سلاسل رائدة في هذا، تاسكو، وسينسبيري، والإثنان مؤسسات خاصة فردية، ثم الكو -أب، الذي قرر تصنيع كل شيء بسعر تنافسي أرخص بشكل ملحوظ من الأخوين السابقين
اختلاط هذه المتناقضات -وغيرها كثير- مع اختلاط أدنبرة كمدينة دولية لطلاب الجامعة منح المدينة طعما مختلفا، خاصة عندما تقابل رودريج، الرسام الحالي لكليفتون (شخصية كوميدية ساخرة عن مفتش بريطاني)، في مكتبة بلاك ويل، وسط عدد محدود من الحاضرين، وتجد أنه لا يتكلم غير الفرنسية فيتولى أحد أصدقائه الترجمة له بإنجليزية مكسرة
كان وقتا ممتعا قصيرا قضيته في مراقبة رودريج الذي قام برسم كليفتون وبعض من الشخصيات الكرتونية الأخرى، وكان لافتا كيف قام بتبسيط مبدأ الرسم بالكتل الهندسية للحضور المنتبهين، وبالطبع روح دعابته الواضحة، والتي أعاقتها حواجز اللغة
كان لقاء ممتعا قصيرا، ولم أحاول القفز على استنتاجات عن شعبية كليفتون الآن، ولكنني فضلت، كعادة العقل البريطاني الممنهج، أن أعزو فقر الحضور النسبي لخلل في التنظيم، وهذه كلمة سحرية تفتقدها بلادنا، في تأكيد مني على مثل هذه العبارات التي ابتذلها التكرار، ولكنها ما تزال مؤلمة، ببساطة لأنها ما تزال حقيقية، ما تزال «طق حنك»
التنظيم هنا يعني كل شيء، وهو عامود أساسي بجدارة في حالة الاقتصاد المؤلمة هنا: اقتصاد في الوقت
بالطبع هناك النكتة المشهورة عن «التوقيت المصري» مثلا، بمعنى الخمس دقائق التي قد تعني ساعتين، ويمكنك هنا الشعور ببعض الأسى، عندما تستوعب أن الخمس عشرة دقيقة قبل الميعاد هو بالطبع هامش كاف
وعندما أجلس لأكتب هذا المقال أجد نفسي مدفوعا بإحساس ما، أن ذلك الحب العميق للحياة، وتلك الاحتفالية بها، تجمع يأسا مطبق فيها، يأسا من الموت وفرحة بالحياة، يمكنك أن تفهم ذلك الحنق الشديد على موت أحدهم
ولكن، يبقى وجه الحياة المزهو بالأنوار والمشاريع والتخطيط والنظام والعمل
هناك أناس يقولون أنهم هنا، ويحاولون عيش الحياة بالكامل، على الرغم من يأس ما يرتع هنا وهناك
في حب الحياة
محمد علاء الدين4 دقائق للقراءة

حجم الخط
