ينفعل، يكتب مقالاً صارخاً يشتم فيه الإقطاعيين الجدد الذين حولوا الصحراء إلى (شبوك)، رغم أنه يعلم أن هذه الأرض حتى لو بقيت دون (شبك)، فإن وزارة الإسكان لن تبني عليها مجمعاً سكنياً، هو فقط كأي إنسان سوي يعرف أن الوطن ملك للجميع، وهو بالتأكيد لا يتكئ على نظريات اشتراكية، رغم أنه بداخله يشعر بعداء كبير للرأسمالية البغيضة، ففي أقل الأحول كان من الممكن أن تبقى الأرض مساحة للمتنزهين، رغم أنه يعلم أيضاً أن الخروج للبر نوع من الجنون، يبتهج لفكرة الرسوم على الأراضي البيضاء، رغم أنه يدرك أن التاجر لن يبيعها بثمنٍ بخس هروباً من ضريبة بخسة سيجد لها حلاً، أقلها أن يؤجر جزءا صغيرا منها على محبي رحلات البر بمبلغ (رمزي)..
هل أبدو مدافعاً عن أصحاب الشبوك؟
الحقيقة أنني لستُ كذلك، أنا فقط أُحاول أن أقول الأشياء التي لم نقلها علناً، فنحن نحارب (الفساد) عندما (لا نستطيع أن نكون فاسدين.. فقط)، فصاحب (الشبوك) - كمثال – تجده في مجلسه العامر ينتقد الفساد الإداري والمالي في البلد، ولو تجرأت ولمّحت (لشبوك) حضرته لاستغرب من سؤالك، فالأمر بالنسبة له لا يتعدى كونه كان أكثر ذكاء من البقية، واشتراها أو طلبها ووهبت له عندما كان الجميع يرفض شراءها أو حتى قبولها كهبة من قادر، بل سيستغرب من محاولة التضييق عليه بفرض ضرائب كي يبيع أملاكه..، وبدون دفاعي هذه المرة، أليس كلامه منطقياً؟!
في الجانب الآخر لو واجهت المُتهم باستغلال النفوذ الذي حوّل الجهة التي يعمل بها لجمعيّة عائلية لتحدّاك (وبعينِ قوية) أن تثبت فساده، فهو - بحسب رأيه - اختار من يعرف ويثق بهم ويحملون المؤهلات المطلوبة المناسبة لشغل الوظيفة، وعلى استعداد أن يُقدم استقالته إن ثبت أنه كتب لابن عمه مدير الموارد البشرية توصية لتجاوز الشروط، فإذا كان أخوه أو ابنه يحمل المؤهل المناسب واجتاز المقابلة الشخصية فمن غير العدل أن يتم رفضه بسبب قرابته للمسؤول، والنظام واضح جداً!
أنا أيضاً هنا لا أدافع عن المُتهم، وفي نفس الوقت لا أُنكر أنني إن لم أقتنع فعلى الأقل تعاطفت معه بسبب وجاهة مبرراته!
فلو قال قائل: هل تريد أن تقنعنا أنه لا يوجد فساد؟، أقول: لا، بالطبع، لكنني وبالعامية أقول: (مشكلتنا أننا فاهمين الفساد خطأ)، وفهمه بشكل خاطئ لا يعني أنه صحيح، فالخطأ هنا بالفهم وليس بالفساد، وهُنا يولد سؤال بيزنطي الملامح: هل عدم فهمنا للفساد هو ما أدى إلى انتشاره، أم أننا نتصنع عدم الفهم كي نبرر وجوده؟
الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب الكثير من التصنّع والمثالية والكثير من الجمل التي لا تقول شيئاً، فكل مُشتبه به في البلد يقول هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وحتى لو كُشف اختلاس أموال بالملايين (كما حدث في تعليم حائل) فهذا لا يعني أن هُناك مذنبا، وأتمنى أن (لا يستقوي) علي أحدكم ويقول: كيف يُكتشف اختلاس أموال ولا يكون هناك مُختلس؟
فأقول: دعك من التهييج والكلام العاطفي، فالقانون والنظام يقول الجميع أبرياء، وأعلم أن محدثي سيواري سخريته بدمدمة: (يا رجال الطاسة ضايعة)، بعدها لن أسأله: (وهل تعتقد بوجود طاسة من الأساس كي تجزم بضياعها؟)
تبريرات منطقية لشرعنة الفساد!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
