ربما يكون التهتك، في نسيج البساط الذي يُفترض أن يُمثله غياب استراتيجية عربية للأمن القومي والتنمية، والتكامل ووحدة الصف حيال الأخطار؛ هو السبب الأهم في التضخم والرواج اللذين حازهما مشروع المتطرفين العرب السُنة. وربما يكون السبب الثاني، الذي ساعد على تضخم ورواج مشروع هؤلاء؛ هو ما بدا من التغوّل الإمبراطوري المضاد، الذي يمثله الإيرانيون الشيعة، ويؤخذ تغولهم الأصغر، في لبنان، مثالاً على نزعتهم الأشمل والأوسع في المشرق العربي. ففي لبنان، استقوى الجزء الشيعي من المشروع الإمبراطوري الإقليمي، بالسلاح، على سائر مكونات البلد، متذرعاً بالمقاومة وبطهرانية سلاحها. وهناك سبب لا يقل خطورة عن السببين الأول والثاني، وهو استقواء الأصولية اليهودية الصهيونية، التي أشاعت في المنطقة الإحساس بالعجز لفرط عربدتها وتنكرها لنداء العقل والسلام، وهي تستقوي بأشد أسلحة الحرب فتكاً، وتجعل الظلم والعدوان والامتهان اليومي لكرامة أمة؛ نوعاً من طبائع الأمور ومن نواميس الحياة. هذه الأسباب مجتمعة، هي التي غذّت نمو ظاهرة المتطرفين، الذين استغلوا حال الهوان، لتوظيف جزء كبير من ردود الأفعال الشعبية عليه، لصالحهم وفي سياق مشروعهم. ولسنا في حاجة إلى التأكيد، على أن قوى الاعتدال المستنيرة، المدركة لمصالح أمتها وأوطانها؛ لو أنها امتلكت مشروعها الإقليمي، وثابرت عليه، وسجلت حضورها القوي المتوازن المتكامل، في المشهد العربي؛ لكانت قادرة على حسم الموقف لمصلحتها، دونما تحيّز لفئة أو تحفُّزٍ لقتال!
لعل من أطرف المفارقات وأشدها مرارة في آن؛ أن حاملي بيدق المشروع الطائفي الشيعي المتغول، الذي أثار نقيضه السُني وجعله يتصدر مشهد الاحتجاج الطبيعي السُني عليه في العراق؛ يستخدمون أعز الرمزيات والأسماء المحببة في وجدان هذه الأمة، لكي يصلوا إلى غرضهم: آل البيت رضوان الله عليهم، الثورة على الظلم الإمبريالي، النقاء الملفق ونُبل الغايات. وفي هذا التوظيف الملعوب، لا يُترك للطرف الآخر (وهو أغلبية مظلومة، معتدلة تجنح إلى السلم الأهلي) سوى مظنة التماهي مع الولايات المتحدة أو العمالة لها. في الوقت نفسه، وهنا مكمن الطرافة والمرارة، يُستشف من وقائع التطورات، أن تكامل الأدوار، والتساند الفعلي، ليس إلا بين الإيرانيين حصراً والولايات المتحدة دون سواها. هنا، نصبح نحن، ضحايا عملية تزوير طاغية، للوعي وللمعنى. نُظلم، ونُستباح، وتحل بنا النكبات، ثم نُلام على افتراض أننا مسنودون بالولايات المتحدة!
تسقط سهواً، أو بحكم الضرورة، بعض اللقطات التي تؤكد على ما نقول، مثلما يحدث اليوم من قصف أسدي لمدن السنة العراقيين، دفاعاً عن حاكم وصل إلى القصر على متن دبابة أمريكية. إن الغالبية العظمى من الشعب السوري، تتعرض منذ سنوات إلى مقتلة كبرى، منقولة عبر الأثير، بالصوت والصورة، وقد اشتملت وسائل القتل، على أسلحة الدمار الشامل، والسلاح الكيميائي، والغازات السامة، والبراميل المتفجرة، فضلاً عن الأسلحة التقليدية. الناس تموت متهمة بأنها جزء من مشروع أمريكي، بينما الأمريكيون في المرة الوحيدة التي كانوا معنيين فيها بشطب أحد أسلحة القتل، وهو الكيميائي، لسبب لا علاقة له بأرواح السوريين، وإنما بخشية واشنطن على سلامة تل أبيب، قررت نزع هذا السلاح ونزعته، وربما أرجعت بعضه إلى أقبية عميقة، خلال أقل من 48 ساعة. ويُترك للنظام الأسدي الفاشي، أن يتبجح وأن يزعم أنه يواجه «مؤامرة استعمارية» ويصدها بجدارة. والكلام، عند الأمريكيين والإسرائيليين، ليس عليه جُمرك. فالمهم عندهم هو الوقائع والمآلات وسياقات الأحداث. ولا يختلف اثنان، يعرفان الحد الأدنى من قواعد اللعبة والسياسة؛ على أن الولايات المتحدة، لو أرادت حقن دماء السوريين ورمي الحاكم المجرم، في سلة مهملات التاريخ؛ لفعلت ذلك في غضون ساعتين دون أن تُطلق صاروخاً واحداً!
لقد تركت واشنطن، المشروع الطائفي الإيراني يتغول، وراهنت على زخمه وحماسته، مطمئنة إلى قدرتها على احتوائه مهما طغى على الأقربين، مستأنسة بتجربة العراق الذي كان مسرح التقاسم الوظيفي، بين واشنطن وطهران، وتركت النظام السوري، يثرثر بخطابه الركيك ويكذب. مرة يقول إنه يقاتل العالم بجدارة وإنه يصمد وينتصر، ومرة يسخر من مساندي الثورة الشعبية السورية، ويقول إنه ليس لديهم ديموقراطية. كأن المقتلة في سوريا عنوانها الديموقراطية السويسرية وليس الحياة الآدمية، وكأن الدولة المساندة لحق السوريين في الكرامة وفي الأمان، أياً كانت، تقذف ببراميل متفجرة على الأحياء السكنية في مدنها وقراها!
لم يكن لـ «داعش» أن تتصدر مشهد الاحتجاج الشعبي على الإقصاء والاستبداد في مركز الحكم في العراق؛ لو أن ثمة استراتيجية عربية للأمن القومي، على قاعدة وحدة الصف ووحدة الرؤية. وبعبارات أوضح، أن يذهب العرب إلى توافق على أسس محددة لن يخطئ العقل السياسي في معرفتها: تحديد مصادر الخطر الداخلي والخارجي وتوحيد الجهود لمواجهتها، ترقية الوعي الإسلامي الوسطي المعتدل بمصالح هذه الأمة وأمنها، والحفاظ على مصر، كإقليم قاعدة، وعدم تعريضها لاضطراب وتجريب ساذج لا يليق بالصومال، والأخذ بناصية السياسة القوية، التي تضع النقاط على الحروف!