إن احتياطي النفط العراقي مطمع الكثيرين طيلة القرن الماضي. ولهذا كان القلق من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على بعض المدن العراقية الرئيسية، كما أن ذلك الطمع كان موجودا أيضا خلال الحرب العالمية الأولى. لكن الحاجة إلى النفط العراقي حاليا أكثر بكثير مما كانت الحاجة إليه منذ مائة عام، ومع أن الاضطرابات هناك لها تأثير متوسط على سوق النفط العالمية حاليا، إلا أنها قد تزرع بذور صدمات نفطية مؤلمة في المستقبل.
عشية الحرب العراقية في عام 2003، خمن الخبراء أن مستوى إنتاج العراق للنفط يمكن أن يعود بسرعة إلى مستوى ما قبل 1990 والذي كان يبلغ حوالي ثلاثة ملايين برميل يوميا وأنه يمكن رفعه إلى حوالي ستة ملايين برميل بحلول 2010 وسبعة ملايين برميل بحلول 2020. لكن الأمور لم تسر وفقا لذلك. عدم الاستقرار السياسي والفساد وانعدام الإطار التنظيمي المناسب كلها عوامل أبعدت الشركات متعددة الجنسيات. الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط والغاز جاء بشكل بطيء جدا. إنتاج العراق كان مضطربا لدرجة أن منظمة أوبك استثنت البلد من نظام الحصص.
ومع ذلك، منذ عام 2012 بدأت الاستثمارات بالارتفاع، خاصة من الصين –احتياطيات النفط العراقي تشكل حوالي 26% من أصول النفط لشركات النفط الصينية. ومع أن العراق ينتج أكثر بقليل من 3 ملايين برميل فإن البعض يعتقدون أن هذا البلد يشكل الجبهة النفطية القادمة.
في الشهر الماضي، قالت الوكالة الدولية للطاقة إن العراق، على المدى الطويل، سيصبح أحد أهم مصادر النفط العالمية، وسيصبح أكبر مساهم في نمو تصدير النفط العالمي. العراق كان يتوقع أن ينتج تسعة ملايين برميل يوميا بحلول عام 2035، بحيث يتجاوز السعودية كأكبر مصدر للنفط في المنطقة. لكن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على مساحات واسعة من المناطق الغنية بالنفط يهدد هذا الأمل.
التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي خطيرة. باستثناء ازدهار إنتاج النفط الصخري في أمريكا الشمالية، والذي وفر حوالي 3 ملايين برميل نفط إضافية يوميا على مدى السنوات القليلة الماضية، لم تكن أخبار جيدة في سوق النفط. إنتاج السعودية حوالي 10 ملايين برميل يوميا، واستهلاك البلد الشره للنفط يجعل كميات النفط المعدة للتصدير تتناقص. وفي نفس الوقت، تواجه نيجيريا مشاكل انتخابية في العام القادم يمكن أن تزعزع استقرار النظام السياسي الذي يعاني من اضطرابات بالفعل. صناعة النفط في فنزويلا تواجه صعوبات، وليبيا ما بعد القذافي تتهاوى، والإنتاج في روسيا وإيران يعاني بسبب العقوبات.
إن ما هو معرض للخطر ليس فقط خسارة إنتاج النفط الحالي للعراق ولكن قدرته على تأمين الاستثمارات اللازمة لإنتاج الكمية الإضافية التي يعتمد عليها سوق النفط العالمي. حاليا، أكثر من 80% من الاستثمار العالمي في منابع النفط والغاز يذهب لتعويض الحقول المستنفذة، وحصة الشرق الأوسط منها حوالي 15% فقط. ومع انغماس العراق أكثر في الحرب الأهلية، فإن هذه الاستثمارات ستنخفض أكثر، مما يؤدي إلى نقص في المحروقات.
إن خسارة العراق تستوجب سياسة ثلاثية الشعب للتعامل مع فجوة النفط وعزل الاقتصاد العالمي عن الصدمات النفطية المدمرة.
أولا، على الولايات المتحدة أن تلتزم بالحفاظ على ازدهار إنتاج النفط في أمريكا الشمالية لأطول فترة ممكنة. هذا لا يعني فقط الحفر محليا بنفس النشاط، ولكن أيضا العمل مع المكسيك لمساعدة إصلاحاتها في مجال الطاقة وفتح مناطقها المائية العميقة للتنقيب. ومع أن هذا قد يبدو غريبا، إلا أن مستقبل الاقتصاد العالمي قد يكون في أيدي شمال داكوتا ومكسيكو سيتي الغنيتين بالصخر النفطي.
ثانيا، على الولايات المتحدة أن تبذل جهدها لمنع الاضطرابات وزيادة الإنتاج في البلدان الرئيسية المنتجة للنفط.
ثالثا، يجب أن تنضم الولايات المتحدة إلى الصين في محاولة لزيادة عدد العربات التي تستطيع العمل على محروقات مصنعة من الغاز والفحم، وهي موارد يمتلك البلدان كميات وافرة منها.
على مدى المستقبل المنظور، سيستمر النفط في أن يكون دم الحياة للاقتصاد العالمي. أملنا هو أن تتراجع الاضطرابات في العراق وأن يصل إنتاج النفط فيها إلى أقصى إمكانياته. وفي نفس الوقت، فإن أقل ما يمكن عمله من جانبنا لحماية الاقتصاد العالمي من صدمات نفطية مستقبلية هو الحفاظ على أسعار النفط منخفضة، وذلك بالسماح للسائقين بتغيير اعتمادهم على البنزين إلى الاعتماد على محروقات غير نفطية.