أظن أن المشهد الجمعي العام بلغ مرحلة ذروة العقدة في حكاية (الوعي الغائب أو الحاضر بتطرف أو بتطفل)، وهذه أبرز أحداث الحكاية:
-1 يقدم لنا (تويتر) كل ساعة في حياتنا(رهطا) متشنجا حول أي شيء. انتهى حد وعيهم إلى الرفض المطلق لكل قيم التحضر المدنية، بسبب (ما عايشوه) من تجييش(رهيب) ضد كل ما يتعلق بالنداءات المشروعة للعقل والتغيير ومعايشة الواقع الثقافي المتحول لتصبح كل فكرة (حديثة) خطيئة، وكل نزعة للعقل والعلم (علمانية) وكل نداء للتفكير الحر(ليبرالية)!!
وما (يقابل)هذا الرهط (الرهيب) تيار تريد عناصره - بوجل مرة، وبنخبوية مرات - نشر القيم الصحيحة للعلم والثقافة، ولذلك فإن فضاء(تويتر) أفصح لنا عن معجم متنوع من(السب والشتم) لهؤلاء(الرهط)، الذين إذا تخلصوا من(جاهليتهم)عادوا إلى (إسلامهم) الذي اختزلوه - أيضا- في وصايا وأدعية (لا تكون إلا بين العبد و ربه)!
-2 وما يعج به فضاء (تويتر) في حالته المهادنة، نجده في الوسائل التواصلية الأخرى، وأهمها (الواتس اب) الذي لا نجد فيه أكثر من ذلك الإيحاء بالتدين، من أدعية ودعوات عن دورات (في تغسيل الموتى وما يشبهها)، وانضمام أبدي إلى الرهط، ضد كل من (تسول) له نفسه اقتحام عرى العلم والثقافة، وتقديس لقادة ذلك الخطاب الصحوي.
وكما قلت في نثاري السابق فإن هؤلاء الرهط لا يتورعون عن ممارسة الغش (الغش التعليمي التربوي أنموذجا)، وخيانة أمانة العمل، وممارسة العنف بحق الزوجة والأبناء، ليتحول الدين العظيم من ممارسة قيم نبيلة من (الصدق والأمانة والعمل والإيثار والتسامح، إلى شعائر ورسائل (واتسابية: لا تكلف شيئا)! وهذا ما أكده تقرير مخجل أعده أساتذة في جامعة واشنطن، (أوضح) أن بلادنا تحتل مركزا مؤلما متأخرا (جدا)، من بين200 دولة في (أمر تطبيق الشريعة المحمدية)!!
-3 وبين هذه وتلك، كان شبابنا في هجرتهم إلى (الحور العين)عبر العراق ثم الشام ينخرطون في جماعات التطرف الحركي، من (النصرة) إلى (داعش)..لا يدرون يقاتلون من، ولا هم مع من، وقبل أن يحاولوا الإجابة، كان الفتى يقاتل أخاه (ابن أمه وأبيه) في ساحات العبث! ثم تتوالى تلك المصائب، حيث يأتي تهديد من الحكومات الغربية - بين الحين والآخر- لمشايخ لدينا (بأسمائهم)، لاتهامهم بتصدير الإرهاب والعنف إلى بلاد العالم (هل سمعنا بمثل ذلك في صحوتنا الحقيقية المباركة قبل زمن صحوة التطرف؟!).
-4 ولا شك أن حالة الجهل (العنيف) قد طالت حتى مجتمعنا بالداخل، الذي تقاذفته صراعات الطوائف والتيارات (المزعومة)، فعج الفضاء الحقيقي (وليس الافتراضي) بتفسيق وإقصاء كل جماعة للأخرى.
ولا بد أن لذلك المشهد المتوتر علاقة بحالة من العنف جعلت معدلات الجريمة والقتل وحالات التقاضي في المحاكم، لأجل التعدي والحقوق والطلاق والخلع تتجه نحو معدلات متزايدة!
-5 وقد كان من الطبيعي أن مجتمعا يزخر بالعواطف المتشنجة، والوقوع في أسر المعادلة الصعبة:(سد الذرائع + تقديس الرجال «الربانيين» + الارتياب من المرأة والفن = مجتمع الفضيلة) أن ينتج أفرادا قانعين (بجهلهم)، فاقدي الوعي الصحيح والمعتدل في النظرة إلى الأشياء والوقائع، واستحقاقات الحضارة ومعطيات الثقافة! وبالتأكيد، فإن الأسباب التي أدت إلى ذلك المشهد تتجلى في ثنايا الحقائق الخمس السابقة، والتي تصب مجتمعة في حالة (قاربها) الأمير خالد الفيصل (وزير التربية والتعليم) في أول عهده بالوزارة، بقوله عن (اختراق التعليم) بفعل خطابات التطرف والإقصاء، ولكن الحقيقة تتجه أبعد من تعليم مخترق، إلى حياة عامة قد اخترقت أولا: على أيدي الذين تزعموا صحوة دينية مزعومة في مجتمع متدين (أصلا)، بوعي داخلي يفصح عن رغبة في الحصول على مكتسبات سلطوية ما، من خلال (شكليات) دينية في المظهر واللباس وتقاليد الفرح وعادات الحياة (الطبيعية). وثانيا: على أيدي من (اغتروا) بمكتسبات الصحويين الشعبية، من الذين يقودون الآن الفكر الجمعي للأمة، بقضايا بعيدة عن تلمس حاجات المجتمع الحقيقية في الحياة الكريمة والتعليم المعتدل والثقافة المشروعة، أو باختلاق قضايا جديدة تؤكد هيمنتهم على الأطياف المستضعفة في المجتمع من (طلاب) التعليم والمرأة ومحدودي الثقافة، ليكون من نتاج هؤلاء الصحويين (الجدد) الأمثلة الآتية العجيبة الممعنة في تجهيل المجتمع:
-1 تحريض شبابنا على الانضمام إلى الجماعات الإرهابية (داعش)عيانا بيانا، ومباركة الأعمال الوحشية التي تمارسها تلك الجماعات بحق أعداء وهميين (كما همس أحدهم لهؤلاء الفتية في منتداه ذي العشرة ملايين متابع)!
-2 تفسيق مثقفي البلاد وتخوينهم، وهم ينتمون (أصلا) إلى مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية، (عيانا بيانا) في الخطب الدينية! والرفض الجارف لكل مبادرات العلماء والمثقفين، باعتبار أن علماء الأمة هم علماء الدين الشرعي (فقط.. وفقط).
-3 الفتاوى العجيبة، على (مثال) إخراج روائيين وشعراء (محليين) من الملة، وتجريم تجربة جامعة كاوست الرائدة، وتحريم (جمعيات) الموظفين المالية، وتأثير قيادة المرأة على المبايض، وجواز إرضاع الكبير. والمتابع في اللحظة الراهنة يجد انحصار تلك الوصايا والفتاوى في أمرين (الطائفية والمسلسلات الرمضانية)، إلى أن يبزغ في الأفق بارق من علم وحضارة (فتنهمر تلك الفتاوى من جديد)! وهكذا يستمر(الحال) حتى لا بارق يلمع بثمة (أمل).. حتى الآن!!

[email protected]