اليوم أول أيام شهر رمضان المبارك، كل عام والعالم بخير وسلام. مهنة «المسحراتي» من المهن التي انقرضت أو كادت، فهي من ضحايا التكنولوجيا، تستمد سحرها بالأساس من ظلام الشوارع وخلوها في ساعات الفجر، ولكن مع التطور التكنولوجي من الممكن أن يقوم الصبية بإيقاظ المسحراتي نفسه!
ثمة تهجين غير مستحب، بالنسبة لي على الأقل، بين التراث والتكنولوجيا، ينتج عنه كائنات عقيمة لا يمكن أن تلد متعة أو بهجة في نفوس مقتنيها؛ فلا أتفهم أن يتم تقديم خدمة المسحراتي على الموبايل ليتصل بك إنسان آلي ويقول لك: «يا نايم وحّد الدايم»، أو «قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم»! أما فانوس رمضان التقليدي فقد اتخذ أشكالاً لا علاقة لها بالفانوس غير أنها تُنتج في رمضان وتبث فلكلوريات رمضانية.
التكنولوجيا تسببت في العزلة والاغتراب؛ فمن الطبيعي الآن أن تجد أسرة تعيش معاً في منزل واحد، الأب ينشغل بمتابعة الأخبار على شاشة التلفاز، بينما الأم تتحدث هاتفياً إلى صديقتها، فيما تستخدم الابنة جهاز الكمبيوتر في ذات الوقت الذي ينهمك فيه الابن الأصغر في اكتشاف الايفون! ولن يجتمع شمل هذه الأسرة إلا في لحظات انقطاع التيار الكهربائي! التكنولوجيا خربت التراث وهدمت الأصالة وكرست مشاعر اغتراب الفرد داخل محيطه؛ فعزلة الشخص مع جهاز صامت لا يمكن أن تمده بخبرة إنسانية تُضاف إلى رصيده البشري.
وتبقى الخطيئة الأكبر للتكنولوجيا أنها قضت على قيم الإبداع والابتكار لصالح قيم النمطية والتكرار؛ فالصناعات اليدوية ينتج عنها منتجات تحمل كل قطعة منها جزءا من روح صانعها، بما يُضاف بشكل عام إلى المنجز الإنساني ككل، أما التكنولوجيا فتُخرج منتجات متشابهة مكررة، ربما تخلو من الأخطاء، لكنها تخلو من الروح أيضاً. هذا التنميط قد يصب في مصلحة تطور البشرية، لكنه لا يمكن أن يصب في اتجاه رقيها على المستويات الإبداعية.. التكنولوجيا تساعد الجسد لكنها تُخرب الروح، فالأصالة تطرح قيم الإبداع والابتكار والتواصل الإنساني، في مقابل القيم التكنولوجية الحديثة، التنميط والتكرار والعزلة البشرية.. فمتى نخرج من يم التكنولوجيا، الذي سيُغرقنا، لنستنشق مرة أخرى نسائم الأصالة؟ فالـ»أصالة» ليست مجرد مغنية سورية، لكنها قيمة كبرى افتقدناها جميعاً!
أصالة ليست مغنية سورية
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
