بدا رياض خان وناصر مثنى شابين بريطانيين نموذجيين. هما متعلمان، مغرمان بالرياضة، ونشأ كل منهما في عائلة ودودة ومحبة في مدينة كارديف. عندما ظهر الشابان منذ أيام قليلة في فيديو دعائي لمنظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وهما يحثان الشباب المسلمين البريطانيين على الانضمام إلى المسلحين في سوريا والعراق، كانت الصدمة كبيرة وواضحة. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ هل تمثل أعمالهما أعراضا للتطرف الديني؟ أم إنهما مجرد شكل متطرف من القلق والاضطراب عند الشباب؟ في نهاية المطاف، أحدهما كان قد قال لوالدته إنه ذاهب ليذاكر في منزل أحد أصدقائه استعدادا لاختبار الرياضيات.
بالنسبة لبعض المعلقين هذان الشابان يمثلان أزمة فريدة خاصة بالشباب المسلمين البريطانيين ويمكن اتخاذهما ذريعة لتبرير توسيع برنامج مراقبة الجاليات الإسلامية في بريطانيا. الراديكالية الدينية في بريطانيا وفي شتى أرجاء العالم هي مشكلة جدية وخطيرة، لكن إلقاء اللوم على الدين وحده لا يعطي الصورة الحقيقية الكاملة للمشكلة. القضية أوسع من هذا بكثير، وهي تتضمن تعظيم أعمال العنف: الإعجاب بالصراعات المسلحة يساعد على نشر ثقافات ذكورية جزئية، عابرة للحدود الدينية والعرقية والطبقية.
على المستوى العام، هناك افتراض غريب في بريطانيا بأن الشعب البريطاني يميل إلى السلم، وأن بريطانيا لا تشارك في الصراعات المسلحة إلا بعد أن تتعرض للخطر من قبل أعدائها. دور بريطانيا في ارتكاب أعمال العنف غالبا ما يتم التغافل عنه وتجاهله. لا يزال هناك تردد كبير لدى البريطانيين بالاعتراف بالفظائع التي ارتكبتها الإمبراطورية البريطانية. هناك تردد مشابه في الاعتراف بالدور الذي لعبته السياسات البريطانية في خلق البيئة السياسية والاقتصادية التي ساعدت على رعاية وتعزيز الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط.
لكن المشكلة أكثر تعقيدا. تعظيم وتبجيل أعمال العنف والثقافة العسكرية له آثار تتجاوز أي جماعة محددة. لا يقتصر الحماس بسبب احتمال وآفاق دخول معركة على الشباب المسلمين – أو الشباب المسلمين في مدينة كارديف مثلا. كثير من الشباب ينظرون إلى الحرب على أنها بطاقة عبور لهم إلى الرجولة – حيث يعتقدون أنهم يستطيعون أخيراً أن يثبتوا لأهلهم وأقرانهم أنهم أصبحوا بالغين راشدين ولم يعودوا أطفالا. في جميع الصراعات المسلحة، يتحدث الشباب بفخر غالبا عن إحساسهم بالبهجة أثناء القتال، وغالبا ما يتفادى هؤلاء الرجال الاعتراف بمخاوفهم من الموت.
هذا الموقف يتعزز كثيرا من خلال مشاهدة الأفلام السينمائية التي تتحدث عن الحروب، والتي تعتبر من أكثر أنواع الأفلام رواجاً. في واقع الأمر فإن الحرب، بالنسبة لكثيرين، ليست جحيما، بل هي مجرد تسلية. بعض أكثر ألعاب الكمبيوتر شيوعا تعتمد على الصراعات في الشرق الأوسط. هذه الألعاب تصور الإثارة والتشويق في المعارك التي تدور في أماكن غريبة تزخر بالسيوف المعقوفة والجمال والجن والصحارى والراقصات الشرقيات والمآذن والأسواق الشعبية والحريم. ألعاب مثل “نداء الواجب” و”وسام الشرف” تصور المتمردين على أنهم مقاتلون أشرار حقراء بلا وجوه، على عكس المقاتلين الطيبين الوسيمين الذين يرتدون أزياء عسكرية رسمية، وهم مغرمون بالمرح وإلقاء النكات ولديهم حس عال بالولاء والإخلاص تجاه رفاقهم في السلاح. هذا التصوير لـ”نحن” مقابل “هم” يولد شعورا بالحماس المشترك والأهداف المشتركة. ممارسة الألعاب الحربية تعتبر عاملا هاما في التشجيع على الانضمام إلى الجماعات المسلحة.
إن اللغة المستخدمة بشكل عام لمناقشة الحرب أصبحت مشوهة إلى حد كبير، ليس فقط ضمن الجماعات الراديكالية المتطرفة، ولكن حتى في أجهزة الإعلام وبين الناس العاديين. وسائل الإعلام تتحدث عن الأعمال القتالية بشكل روتيني بنفس الطريقة التي تتحدث فيها عن الألعاب الرياضية، فهي تشير إلى المقاتلين على أنهم “صيادون صامتون” أو “طمبارزون”؛ وأن هؤلاء المقاتلين “يسجلون هدفا” في كل مرة يتمكنون فيها من قتل الخصم. وبالنسبة للمقاتلين الأعداء فإنهم “يتلقون” رصاصة وكأنهم يتلقون الكرة. في العام الماضي، عندما أدخل الجيش البريطاني نوعا جديدا من الأسلحة الشخصية الصغيرة إلى الخدمة، Glock 17، والذي حل مكان مسدس Browning، وصف الجيش هذا السلاح الجديد بأنه “منقذ للحياة”، وكأن الأشخاص الذين سيقتلهم الـGlock 17 لا يمتلكون “حياة” حقيقية.
كل هذا لا يقلل من أهمية العزلة الثقافية والدور الذي يلعبه الدين في القرار الذي اتخذه الشابان رياض خان وناصر مثنى في الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. من الواضح أن الإيمان والإيديولوجيا عوامل مهمة، لكن القصد هنا هو الإشارة إلى أنهما تأثرا بقوى ثقافية أوسع تقدر عاليا الروح العسكرية. هذه الآثار يجب مناقشتها إلى جانب العوامل المساهمة الأخرى.
دوافع الجهاديين البريطانيين في سوريا قد تكون أكثر من الدين
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
