وضعت وزارة التجارة والصناعة أول خطواتها على الطريق الصحيح منذ تولى دفة قيادتها الدكتور توفيق الربيعة، الذي قاد حراكا كبيرا لإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة خصوصا في الوزرات الخدمية، والعمل على تنمية الصناعة السعودية كخيار استراتيجي لا يمكن التنازل عنه.
ولأن الوزير الربيعة كقائد يؤمن بأهمية الإبداع وإدارة التغيير والتطوير، جاء إلى الوزارة ولديه رؤية واضحة، واستشراف للمستقبل، وإدراك لوضع الوزارة العجوز ومعاناتها، ولذلك عمد إلى تغيير جلدها، بالتركيز على تطوير هيكل الصناعة المحلية، لرفع إنتاجية الاقتصاد، وتنويع القاعدة الاقتصادية، والمساهمة في تلبية جزء من الطلب المحلي، وتقليص حجم الاستنزاف المالي الناتج من الاستيراد، إضافة إلى نقل التقنية، وإيجاد فرص العمل للمواطنين بمستويات أجور جيدة.
ولذلك جاء حراك وزارة التجارة والصناعة في تطوير صناعة السيارات متوافقا مع ما ورد في تقرير صندوق التنمية الصناعية السعودي الأخير، الذي شدد على أهمية توطين صناعة السيارات كخيار استراتيجي للتحول إلى مصاف الدول المتقدمة صناعيا.
ففي مارس 2013 أعلنت الوزارة عزمها إنشاء مدن صناعية جديدة لصناعة السيارات في المملكة، بعد النجاح الذي حققه مصنع سيارات «إيسوزو» في تصنيع 40 شاحنة في بداية المشروع، وسيبلغ الإنتاج ذروته بحلول عام 2016 عند 25 ألف شاحنة سنويا، وبدء إنتاج سيارات «لاند روفر جاكوار» بشكل متكامل في مدينة ينبع الصناعية بدءا من عام 2017 باستثمارات تبلغ حجمها 1,2 مليار، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف سيارة سنويا مخصصة للسوق المحلية والعالمية.
ولا شك أن موقف وزارة التجارة والصناعة التفاوضي مع المصنعين العالميين أصبح أكثر قوة لعوامل عدة منها: أن دخول شركات عالمية مثل «لاند روفر» و»إيسوزو» إلى السوق السعودية، سيعزز موقف الوزارة في إقناع باقي المصنعين بجدوى استثمارهم سواء في الإنتاج المتكامل أو الجزئي، كما أن تميز المملكة بقاعدة صناعية وبنية تحتية أكثر تطورا من الدول المحيطة بها، وتوفر موارد هائلة من المواد الخام والمواد الأساسية (حديد، ألمونيوم، البلاستيكيات المبتكرة)، والطاقة بأسعار مناسبة وقد تكون تنافسية، ووجود مزايا نسبية توفرها شركات البتروكيماويات وعلى رأسها «سابك» ومراكز الأبحاث التي تمتلكها لتطوير هذه الصناعة والاستثمار فيها، وقيمة إعادة تصدير السيارات وقطع الغيار التي بلغت عام 2012 وفقا لتقرير صندوق التنمية الصناعية نحو 6 مليارات ريال، بمعدل نمو سنوي قدره 13% خلال الفترة بين 2005 و2012، تعد عوامل مشجعة محفزة للشركات المصنعة، وورقة إيجابية أخرى في موقف الوزارة التفاوضي.
كما أن الأثر الإيجابي لتوطين صناعة السيارات على الاقتصاد، وتوفير فرص العمل للمواطنين أفضل بكثير من بعض الصناعات ذات الأثر المحدود، فوظيفة واحدة في خط الإنتاج تخلق في أقل الأحوال خمس فرص وظيفية في صناعة الأجزاء المكونة للسيارة وقطع غيارها، بالإضافة إلى أنها ذات مردود اقتصادي عال لتكاملها مع صناعات أخرى حيوية كالطاقة والبتروكيماويات والصلب والألمنيوم، وتكوينها مجمعات صناعية متكاملة، وبالتالي ارتفاع نسبة مساهمة الصناعة في الناتج الوطني الإجمالي، وتعدد المناطق الصناعية الكبرى المتخصصة، وتطور المكانة العالمية للصناعات السعودية بشكل متكامل.
إلى جانب إسهامها في تلبية الطلب المحلي، وتقليص حجم الاستنزاف المالي الناتج من الاستيراد، لا سيما أن مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات قدرت استيراد المملكة في المتوسط بنحو 679 ألف مركبة سنويا في الفترة ما بين 2005-2012 بمعدل نمو سنوي 9.5%، كما أنه بلغ رقما مرتفعا في 2012 نحو 981 ألف مركبة بقيمة تصل إلى 77 مليار ريال، أي ما يعادل 13% من إجمالي واردات المملكة في ذلك العام.
وقياسا على الموقف التفاوضي للوزارة وحراكها نحو الإبداع والتطوير، والفوائد المترتبة على توطين صناعة السيارات، ونجاح وزارة التجارة في بذر النواة الأولى لهذه الصناعة، فإن على الحكومة أن تمنح تنمية قطاع صناعة السيارات والصناعات المكملة لها أولوية خاصة من خلال الدعم والتمويل الكامل أومن خلال الشراكة مع القطاع الخاص، وتوفير البنية الأساسية لنمو هذه الصناعة وتطويرها، وأن تصبح هدفا استراتيجيا خلال الخمس أو العشر سنوات القادمة، يشكل له فريق عمل خاص من جميع الجهات المعنية بقيادة وزير التجارة الحالي، إلى جانب العمل على تذليل التحديات والصعوبات التي تواجه توطين هذه الصناعة، وتقديم حوافز مغرية جدا للمصنعين العالميين، وإلا ستدخل دول خليجية أخرى على خط المنافسة.
توطين صناعة السيارات أول خطوة للدولة الصناعية
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
