إن قيل عن فلان إنه صوفي في اللهجة العامية غير الرسمية كان الغرض من ذلك نعته بعدم رغبته في ممارسة نشاط حياتي من قبيل اللهو أو المتعة، وإن قيل عن فلان إنه حنبلي في ذات اللهجة ومساقها كان المعنى منصرفا إلى أنه مهتم بحذافير الأمر وحرفيات الكلام ومقتضى المعنى المباشر، وبين هذا وذاك انتقد العوام قديما من لا يشاركهم هواهم ليصبح (صوفي) الممارسة ومن لا يشاركهم تحايلهم ليصبح (حنبلي) النهج، وبعيدا عن اصطلاح الفقهاء أو مسلكيات التدين فإن لسان المجتمعات أتاح لنفسه حرية الاصطلاح ولو على حساب ثقافة شرعية، ومن هنا أجدني أربط بين سندان (التصوف) ومطرقة (التحنبل) حين يكون الأمر متعلقا بواجب المجتمع تجاه أفراده ووطنه ومرجعية بنائه، ليكون غالب الناس لاهثين وراء قطبي التطرف يمينا أو يسارا، فالقوم منقسمون إلى فئة جعلت صم الآذان وغض الطرف وإماتة الشعور سبيلا للعيش الكريم والسلامة من أذى محتمل (فتصوفت) عن كل شيء وصامت عن الرأي والمشاركة والفهم والاهتمام بل وحتى عن المعرفة والعلم خوفا من وجع رأسٍ أو ملامة فضولي، وفئة أخرى حشرت أنفها في الصغير والكبير والمهم والتافه والضروري والهامشي، وانبرت لتكون وصية على الخلق وأخلاقهم وتصرفاتهم (فتحنبلت) وادعت علم الظاهر والباطن والشرق والغرب والقديم والجديد مستمسكة بتلابيب نصٍ حملته كل شيءٍ ولو صغر، ونفس الحال أراه منسحبا على تعاطي طبقة المثقفين مع مشكلات وقضايا مجتمعنا ورأيه العام في الواقع والمستقبل، فما يخلو يوم من هاربين من مسؤولية فكرية وثقافية وكلهم بها انتماؤهم لإخوانهم متذرعين بأن في الخلوة والتخلي ضمان سلامٍ، وفي الصمت والسكوت ذهب اطمئنان، متناسين بأن من كتم علما ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ، ولا يخلو نهار من متشدقين بما لا يفهمون، ومتصدرين للجزم بقولٍ في مواقع الاختلاف، ومتعالين بأن رأيهم هو الأصل حيث ظاهر ما يستدلون به معهم في توجهاتهم. والقضية الكبرى في ذلك أن مجتمعنا أعيته الحيلة أن يلتزم الجادة في خوض غمار الرأي والرأي الآخر، خاطفا بعض القول وبعض الطبع وبعض النكهة، تاركا لب الموضوع وحزمة البرنامج، وأعيته الحيلة كذلك أن يلتزم ذكاء الانصراف عما لا يعنيه امتثالا لأمرٍ كريمٍ من نبي كريم صلى الله عليه وسلم حيث قال (من حسن إسلام المرءٍ تركه ما لا يعنيه) ليفهم بعضهم أنه معني بالشأن الخاص والعام جملة وتفصيلا، ويفهم بعضهم أنه غير معنيٍ حتى بتربية أبنائه فالهداية من رب العباد، وبما أن عروبتنا علمتنا بأنه لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم فإن المغزى السامي من هذا البيت لا يدعو للدم وإن ذكره بقدر ما يدعو إلى أن حمل الأمانة تحملها بالقسط والاعتدال، ولو بقي بعد ذلك خارج السرب مناهضون فالله يقول (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) وما بين صوفي وحنبلي مسار فهمٍ لقاعدة الإسلام بأن من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم.
بين الصوفي والحنبلي
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
