في صخب الدنيا وبهرجها يتسارع البشر للعبث واللهو وتصيبهم الغفلة مع مرور الأيام، وفي عالم المحسوسات والماديات واحتكاك البشر بعضهم البعض تتنازل النفس الأبية عن كثير من الأمور أمام رغبة المجتمع الذي يفرض كثيرا من الأخلاق الرديئة غالبا والحسنة نادرا لكي يستطيعوا التعايش والوصول لبعض حقوقهم، فتساهل كثير من الناس في الغيبة والنميمة والشتائم والخصومة واللعن والمجون، وربما خلدت النفس العاملة إلى الدعة والراحة والخمول وربما العصيان.
ومن حكمة الله تعالى أن جعل لعباده مواسم يقومون فيها بتهذيب النفوس وتصفيتها وإبعاد الدرن عنها، فشرع الله الصيام لجميع الأمم ممن كانوا قبل الإسلام، كما قال ربنا «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم»، وقد كتب الله عليهم الصيام لحكم كثيرة نعلم بعضها ونجهل كثيرا منها.
من حكم وأسرار رمضان أنه موسم للتطهير وموسم لكبح جماح النفس النافرة أو المتعطشة للدنيا الفانية، ففي هذا الشهر يترك المسلمون المباح من الطعام والشراب امتثالا للأمر الإلهي، ويقبل الناس على نمط واحد للحياة، فالجميع يمسكون عن الطعام في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد، ويستوي الجميع في المباحات والمحرمات حتى يسير المجتمع على طريقة واحدة صارمة.
في رمضان يقبل الناس على تلاوة القرآن ويحرص المسلمون على العودة إليه ليختموه مرة أو مرتين على الأقل فربما غفل الناس عنه لكثره الأعمال وضغط الحياة والتسويف، ولكن في رمضان يبدأ الحماس الصادق للعودة لتلاوة القرآن وتقيم بعض الأسر منافسات لأبنائها في ذلك، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين والمستغفرين.
في رمضان تنطلق أيدي المسلمين بصنائع المعروف والبر والصدقات بألوانها وأشكالها، فمنهم من يبحث عن أسرة فقيرة فيضع لها دراهم تعينها على الحياة، ومنهم شباب في سن الزهور يوزعون إفطارا مجانيا قبل أذان المغرب عند الإشارات المرورية أو للأسر المحتاجة، ومنهم نساء يرسلن أبناءهن بأطباق من الطعام للمساجد القريبة حتى يفطر المسلمون عليها.
في رمضان يبدأ المؤمن بإعادة حساباته مع الصلاة والعبادة، فقد علم المؤمنون أن الصيام بدون بقية الفرائض ناقص، ويبدأ الناس في ترك الخصام قدر المستطاع وترك كثير من الألفاظ التي اعتادوا عليها بحكم ضغط الحياة، وإذا اضطر أحدهم إلى خصومة تراه يقول تأسيا بالحديث النبوي: «إني صائم».
وفي رمضان تجتمع العائلة على مائدة الإفطار في جو يمتلئ إيمانا ومحبة، هذا يدعو ربه وهذا يقص حكاية للعائلة وهذا يمد يده بتمرات أو ماء لمن بجواره رغبة في ثواب يصيبه، فلا يستطيعون الإفطار قبل الأذان ويظهر بوضوح هنا معنى التمسك بالشريعة والتسليم لها، وفي أماكن أخرى يجتمع أهل المسجد حول موائد الإفطار الجماعية فيلتقي المسلمون حول بعضهم بعضا كالجسد الواحد وقد امتثلوا أمر ربهم بصيام هذا اليوم وها هم يمتثلون أمره بالفطر أيضا فلا تمييز بين جنسية وأخرى أو متعلم وأمي أو غني وفقير.
في رمضان ينطلق المسلمون بمئات الألوف إلى المساجد ليصلوا العشاء والتراويح وهم يعلمون أن التراويح ليست واجبة، ولكن محبة الخير في قلوبهم عامرة حتى صارت صلاة التراويح ظاهرة تتهيأ لها المساجد بالأئمة والقراء وتتنافس قنوات عديدة على نقل شعائر تلك الصلاة من الحرمين الشريفين أو غيرهما، يصلون وتنهمر الدموع من عيونهم شوقا لما عند الله ورغبة في تحصيل الأجر والثواب، يخرج الرجال والنساء للمساجد يستمعون لكلام ربهم ويضعون جباههم على الأرض ويؤمنون على أدعية أئمتهم وهم خاشعون، في منظر عظيم عجزت أديان العالم على مثله.
ذلك بعض ما يحصل في رمضان، نشاهده ونمارسه سنويا، نتذكر أحبة فقدناهم كنا نشاطرهم الحياة، ونتذكر ليالي جميلة ملئت بالذكر واللقاء والمحبة، يعيش المسلمون موسما مختلفا تماما، فهو موسم للعباد والصالحين وموسم للمحبة والأنس.
كلمة أخيرة: الخاسر الحقيقي هو من فاته رمضان ولم يغفر له ولم يستطع أن ينقذ قلبه وروحه، فأبواب الخير مشرعة من كل جانب.